علم الدين السخاوي
865
جمال القرّاء وكمال الإقراء
والفيء : ما صولح عليه أهل الحرب من غير قتال ، فحكمه أن يقسم على المذكورين في سورة ( الحشر ) ولا خمس ، فالآية محكمة على هذا « 1 » . ومما يؤيد هذا قول بعض العلماء « 2 » : إن آية ( الحشر ) نزلت في بني النضير حين خرجوا من ديارهم بغير حرب ، وتركوا أموالهم ، فجعلها اللّه عزّ وجلّ لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، فلم يستأثر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، وفرّقها في المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا رجلين :
--> ( 1 ) رواه وكيع عن سفيان الثوري . انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ( ص 271 ) . قال النحاس - بعد ذكر هذه الرواية - : والقول إن الفيء خلاف الغنيمة ، قول مستقيم صحيح ، وذلك أن الفيء : مشتق من فاء يفيء إذا رجع ، فأموال المحاربين حلال للمسلمين ، فإذا امتنعوا ثم صالحوا رجع إلى المسلمين ما صولحوا عليه اه . المصدر نفسه وانظر الإيضاح لمكي ( ص 430 ) . ونفهم من هذا الكلام الذي ذكره السخاوي عن سفيان الثوري ، وذكره من قبله النحاس ومكي كذلك عن سفيان ومالوا إليه ، وكذلك ما سبق أن ذكرته عن ابن الجوزي ، نفهم من هذا أنهم يختارون إحكام الآية وعدم القول بنسخها ، وهذا هو الصحيح - إن شاء اللّه تعالى - وهو ما رجحه ابن العربي واستحسنه القرطبي . انظر أحكام القرآن ( 4 / 1732 ) وتفسير القرطبي ( 18 / 14 ) وهنا كلام نفيس لابن العربي أنقل منه ما يحصل به الغرض ويزيل ما قد يبقى من إشكال في معنى الآيات الثلاث - أعني آيتي الحشر وآية الأنفال - . قال : واختلف الناس هل هي ثلاثة معان أو معنيان ؟ ولا إشكال في أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات . أما الآية الأولى : فهي قوله هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ - وهي الآية الثانية من سورة ( الحشر ) - ثم قال : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني من أهل الكتاب ، معطوفا عليه فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه ، ولذلك قال عمر : إنها كانت خالصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - يعني بني النضير وما كان مثلها - فهذه آية واحدة ومعنى متحد . الآية الثانية : قوله تعالى ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى فهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول . الآية الثالثة : آية الغنيمة ، وهي آية الأنفال ، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر ، بيد أن الآية الأولى والثانية اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه اللّه على رسوله ، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال ، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال ، وعريت الآية الثالثة وهي قوله ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال فنشأ الخلاف من هاهنا ، فمن طائفة قالت : هي ملحقة بالأولى وهو مال الصلح كله ونحوه ، ومن طائفة قالت : هي ملحقة بالثانية ، وهي آية الأنفال . . . اه بتصرف يسير من أحكام القرآن ( 4 / 1772 ) . ( 2 ) في د وظ : قول بعض أهل العلم .