علم الدين السخاوي

747

جمال القرّاء وكمال الإقراء

« أناة فإن لم تغن أردف بعدها * وعيدا فإن لم يغن أغنت صوارمه » « 1 » . الخامس : قوله عزّ وجلّ : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ . . . « 2 » ، قالوا : نسخ الصبر بآية السيف « 3 » . ولا يصح ما قالوه ، لأنه قد قال عزّ وجلّ قبلها : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ « 4 » ، فما نزلت إلّا بعد الأمر بالقتال ، وكان المسلمون قد عزموا على المثلة بالمشركين لما ( فعلوا المشركون ) « 5 » يوم أحد بحمزة - رحمه اللّه - وغيره من المسلمين « 6 » ، وقالوا « 7 » : لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب « 8 » ، فقال لهم اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ « 9 » لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ، إما « 10 » عن المثلة المماثلة لما فعل بكم ، وإما عن تركها رأسا ، والاقتصار على

--> ( 1 ) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي ، وهو كلام موجه إلى بعض البغاة الخارجين عن أمير المؤمنين ، يتهددهم ويتوعدهم ، وهو كلام - مع وجازته - في غاية الإبداع . انظر : ديوانه ضمن الطرائف الأدبية ص 179 والأغاني 10 / 42 ، ووفيات الأعيان 1 / 44 ، ومعجم الأدباء 1 / 188 . والصوارم : جمع صارم ، وهو السيف القاطع . اللسان 12 / 335 ( صرم ) . ( 2 ) النحل ( 127 ) . ( 3 ) قاله ابن سلامة ص 210 ، وابن البارزي ص 38 ، وذكره مكي ضمنا . انظر الإيضاح ص 119 . وحكى ابن حزم الخلاف فيها . انظر : الناسخ والمنسوخ ص 44 . قال ابن الجوزي : هذه الآية متعلقة بالتي قبلها ، فحكمها حكمها ، وقد زعم بعض المفسرين أن الصبر هاهنا منسوخ بآية السيف اه . نواسخ القرآن ص 389 ، وكان ابن الجوزي قد حكي قولين للمفسرين في الآية التي قبلها - وهي قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . الآية - أحدهما : أنها نزلت قبل ( براءة ) فأمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يقاتل من قاتله ، ولا يبدأ بالقتال ثم نسخ ذلك ، وأمر بالجهاد ، قاله ابن عباس والضحاك . . . والثاني : أنها محكمة ، وأنها نزلت فمن ظلم ظلامة ، فلا يحل له أن ينال من ظلامة أكثر مما نال الظالم منه ، قاله الشعبي والنخعي وابن سيرين والثوري ، وعلى هذا القول يكون المعنى : ولئن صبرتم على المثلة لا عن القتال ، وهذا أصح من القول الأول اه المصدر نفسه . ( 4 ) النحل : ( 126 ) . ( 5 ) هكذا في الأصل : لما فعلوا المشركون . وفي بقية النسخ : لما فعل المشركون وهي الصواب . ( 6 ) في د : من المسلمون ! . ( 7 ) في د وظ : قالوا : بدون واو . ( 8 ) انظر : الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 213 . ( 9 ) إلى هنا ينتهي نص الآية في بقية النسخ . ( 10 ) في ظ : ما عن المثلة .