علم الدين السخاوي

617

جمال القرّاء وكمال الإقراء

وإنما معنى آية الأعراف : إنما حرّم ربي الفواحش ، وما فيه الإثم ، وكلامه كله فاسد إلى آخره . وقوله : لَعَلَّ * من اللّه عزّ وجلّ واجبة : ليس بصحيح ، فقد قال اللّه عزّ وجلّ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 1 » ، وقد ألانا له القول فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 2 » ، وإنما معنى قوله عزّ وجلّ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * فاجتنبوه راجين الفلاح « 3 » ، أو فاجتنبوه وأنووا إرادة الفلاح « 4 » . وأما قول ابن جبير : ( كره الخمر قوم للإثم ، وشربها قوم للمنفعة ) : وأي منفعة تبقى مع أن الإثم أكبر منها ، فكيف يقدم مقدم على الانتفاع بشيء فيه وبال أكثر وأكبر من الانتفاع به « 5 » ؟ . وأطرف من هذا قوله : تركوها عند الصلاة « 6 » ! ، فاعلم أن الآية محكمة غير

--> سببهما يحدث ، قال : وإنما اخترنا ما قلنا من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر والميسر ، فكان معلوما بذلك ان الإثم الذي ذكر اللّه في هذه الآية - فأضافه اليهما - إنما عني به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا ، لا الإثم بعد التحريم ) اه جامع البيان ( 2 / 360 ) . ( 1 ) طه : 44 . ( 2 ) النازعات : 21 - 24 . ( 3 ) في ظق : راجين فلاح . ( 4 ) قال الراغب الأصفهاني : ( لعل ) طمع واشفاق ، وذكر بعض المفسرين أن ( لعل ) من اللّه واجب ، وفسّر في كثير من المواضع ب ( كي ) وقالوا : ان الطمع والاشفاق لا يصح على اللّه تعالى و ( لعل ) وأن كان طمعا فإن ذلك يقتضي في كلامهم تارة طمع المخاطب . . فقوله تعالى فيما ذكر عن قوم فرعون : لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ فذلك طمع منهم ، وقوله في فرعون لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فإطماع لموسى - عليه السلام - مع هارون ، ومعناه : فقولا له قولا لينا راجين أن يتذكر أو يخشى . . اه المفردات ص 451 ، وراجع قطر الندى لابن هشام ص 207 . ( 5 ) لأن هذه الآية كانت ممهدة لتحريم الخمر على البتات ، ولم تكن مصرحة بل معرضة ، فأما الإثم فهو في الدين ، وأما المنافع فكانت دنيوية بحتة كلذة شربها ، وكذا بيعها والانتفاع بثمنها ، وما كان يحصل لبعضهم من الميسر فينفقه على عياله ، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين فاثمهما أكبر من نفعهما . انظر تفسير ابن كثير ( 1 / 255 ) . ( 6 ) يظهر من عبارة السخاوي - رحمه اللّه - التعجب والإنكار من هذا القول ، وليس هناك ما يدعو إلى هذا ، فقد ذكر الإمام الطبري آثارا كثيرة تدل على هذا المعنى ، وأن بعض الصحابة كان يشربها قبل تحريمها ، ثم أنه حصل منهم خلط في الصلاة ، فنزلت الآية الكريمة في سورة النساء تنهاهم عن قرب