علم الدين السخاوي
610
جمال القرّاء وكمال الإقراء
نسخت بقوله عزّ وجلّ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 1 » ، فصارت - أعني آية البقرة - ناسخة لآية النساء منسوخة بآية التوبة ، وهذا معدوم النظير « 2 » . وقيل : ليست آية البقرة بناسخة ولا منسوخة ، وإنما هي مخصوصة بالنهي عن القتال في الحرم ، ولا يحل القتال فيه ، إلّا لمن قاتل ، قال ذلك : مجاهد وطاوس « 3 » . وأكثر العلماء على وجوب قتال المشركين أينما كانوا بآية التوبة ، وآية التوبة نزلت بعد البقرة بمدة متطاولة « 4 » . 3 - قوله عزّ وجلّ الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ
--> ( 1 ) التوبة : 5 وهي التي تسمى بآية السيف . ( 2 ) ذكر هذا مكي في الإيضاح ص 157 . وهذا ان سلم القول بالنسخ ، وإلا فإن الراجح الأحكام كما سيأتي قريبا في الهامش الآتي والذي بعده . قال ابن الحزم الظاهري : - تحت عنوان هل يجوز نسخ الناسخ ؟ - قال : ( ولا فرق بين أن ينسخ اللّه تعالى حكما بغيره ، وبين أن ينسخ ذلك الثاني بثالث وذلك الثالث برابع ، وهكذا كل ما زاد ، كل ذلك ممكن إذا وجد وقام برهان على صحته . . . ) اه الأحكام في أصول الأحكام ( 4 / 80 ) . ( 3 ) ذكره النحاس بنحوه عن مجاهد وطاوس ص 34 . وهذا هو الذي عليه جمهرة العلماء ، فقد قال القرطبي : قال مجاهد الآية محكمة ، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل وبه قال طاوس ، وهو الذي يقتضيه نص الآية ، وهو الصحيح من القولين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه اه الجامع لأحكام القرآن ( 2 / 351 ) ، وانظر أحكام القرآن للجصاص ( 1 / 259 ) ، ولابن العربي ( 1 / 107 - 108 ) وزاد المسير ( 1 / 199 ) ، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص 182 ، والبحر المحيط ( 2 / 67 ) . ( 4 ) ذكره النحاس بنحوه عقيب ذكره لرواية قتادة التي تفيد أن الآية منسوخة - وقد سبق ذكرها - قال : وأكثر أهل النظر على هذا القول أي أن الآية منسوخة ص 53 . وذكره كذلك مكي بن أبي طالب بنحو ما ذكره المصنف . انظر : الايضاح ص ( 157 ، 158 ) . والذي ظهر لي - كما قلت آنفا - من خلال ما قاله العلماء كالقرطبي وابن الجوزي وغيرهما أن الآية محكمة وأنه لا يجوز قتال المشركين في الحرم إلا بعد قتالنا ، عند ذلك يجوز لنا أن ندفع عن أنفسنا ، بدليل الآية التي ذكرها المصنف وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ وتمامها ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فهذا خاص ، والأمر بقتال المشركين كافة عام ، فيكون هذا من باب التخصيص لا من باب النسخ . واللّه أعلم . أما بالنسبة لنزول التوبة بعد نزول البقرة بمدة طويلة ، فقد سبق الكلام عن ترتيب السور المكية والمدنية في أول هذا الكتاب ، وذكر السخاوي هناك أن البقرة من أوائل السور نزولا بالمدينة وأن التوبة من أواخر ما نزل فيها على القول الراجح . وراجع الإتقان ( 1 / 72 - 73 ) .