علم الدين السخاوي
594
جمال القرّاء وكمال الإقراء
5 - نحو قوله عز وجل : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ « 1 » ، فحمل هذا على أنه محكم أولى « 2 » . 6 - وأما قول عطاء في قوله عز وجل : لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا « 3 » أنه ناسخ لما كانوا عليه من قولهم في الجاهلية والإسلام : راعنا سمعك ، أي فرغه لنا ، لما وجد اليهود بهذه الكلمة سبيلا إلى السب « 4 » ، لأنها في كلامهم سب « 5 » ، فليس ذلك بصحيح . ولو كان ذلك ناسخا لكان جميع ما أمرهم به من مكارم الأخلاق ، ومما يستحسن في القول والفعل ناسخا لما كانوا عليه « 6 » ، ولهذه الآية نظائر كثيرة . وكل ما « 7 » قيل في ذلك بأنه ناسخ لعادة جرت أو شريعة تقدمت ، فهذه سبيله ، فأعلم ذلك .
--> ( 1 ) البقرة : 109 . ( 2 ) قال السيوطي : وهذا من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ ، وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد ، كقوله فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وغيرها من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ » اه الإتقان ( 3 / 64 ) . وكان السيوطي قد نقل قبل ذلك قول مكي بن أبي طالب : ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية مثل قوله فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا . . محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجّل بأجل ، والمؤجّل بأجل لا نسخ فيه » اه المصدر نفسه ( 3 / 61 ) . ( 3 ) البقرة : 104 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا . . . الآية . ( 4 ) في ظ : السبب . ( 5 ) ذكره بنحوه مختصرا الطبري بسنده عن عطاء وغيره ، إلا إنه لم يذكر في ذلك نسخا . انظر : تفسيره ( 2 / 470 ) . وذكره الواحدي مطولا ، قال : قال ابن عباس في رواية عطاء : وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها ، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعجبهم ذلك ، وكان ( راعنا ) في كلام اليهود سبأ قبيحا ، فقالوا : إنا كنا نسب محمدا سرا ، فالآن أعلنوا السب لمحمد ، فإنه من كلامه ، فكانوا يأتون نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقولون : يا محمد ( راعنا ) ويضحكون ، ففطن بها رجل من الأنصار ، وهو سعد بن عبادة ، وكان عارفا بلغة اليهود ، وقال : يا أعداء اللّه ، عليكم لعنة اللّه ، والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه ، فقالوا : ألستم تقولونها ؟ ! فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا . . . الآية اه . أسباب النزول ص 18 وراجع الدر المنثور ( 1 / 252 ) . ( 6 ) قال مكي : « وقد كان حق هذا ألا يذكر في الناسخ ، لأنه لم ينسخ قرآنا ، إنما نسخ ما كانوا عليه ، وأكثر القرآن على ذلك » اه الإيضاح ص 125 ، وراجع الإتقان ( 3 / 64 ) . وسيأتي مزيد بيان حول هذا - إن شاء اللّه تعالى - عند قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ الآية فانظره هناك ص 601 من هذا الفصل . ( 7 ) في ظ : وكلما .