علم الدين السخاوي
327
جمال القرّاء وكمال الإقراء
وعن عابس الغفاري « 1 » : ورأى الناس يفرّون من الطاعون - فقال : ( يا طاعون خذني ، فقيل له : تتمنى الموت وقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يتمنين أحدكم الموت . . » « 2 » فقال : أبا در « 3 » خصالا سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « 4 » « يتخوفهن على أمته : بيع الحكم « 5 » والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم ، وقوما يتخذون القرآن مزامير ، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلّا ليغنيهم به غناء » « 6 » . وعن البراء بن عازب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « زيّنوا القرآن « 7 » بأصواتكم » « 8 » .
--> قال : وعلى هذا المعنى تحمل هذه الأحاديث التي ذكرناها في حسن الصوت ، إنما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق . . فهذا وجهه لا الألحان المطربة الملهية . . فضائل القرآن ص 97 ، وراجع فضائل القرآن لابن كثير 36 - 38 . ( 1 ) عابس بن عيسى الغفاري ، ويقال له : عيسى بن عابس ، قال البخاري له صحبة : . انظر الإصابة 5 / 265 ، رقم 4330 ، وراجع الجرح والتعديل 7 / 35 . ( 2 ) رواه البخاري بلفظ أطول في كتاب المرضي باب تمني المريض الموت 7 / 10 ، ورواه مسلم كذلك كتاب الذكر باب كراهة تمني الموت لضر نزل به 17 / 7 . ( 3 ) في د وظ : حرفت إلى ( أبو ذر ) . ( 4 ) هكذا في النسخ يقول ، وأرى أن الكلام بدونها أولى ، والحديث في فضائل القرآن لأبي عبيد بدونها . ( 5 ) أي أن من الخصال التي كان عليه الصلاة والسلام يتخوفها على أمته : بيع الحكم ، والمراد به : عام يشمل بيع الأوراق والوثائق التي تحمل الأحكام والصكوك والحقوق ، وبهذا تضيع حقوق الناس بسبب التلاعب والتزوير في الأحكام ، وكذلك ما يحدث من تولية من ليس أهلا لذلك في الحكم ، وذلك بالتزوير في الانتخابات وشراء الأصوات - كما هو الحال في كثير من البلدان - واللّه أعلم . والمراد من الاستخفاف بالدم عدم المبالاة بحرمة دماء المسلمين ، بل قد تسفك لأتفه الأسباب كما هو الواقع اليوم . ( 6 ) أخرجه أبو عبيد في فضائله ص 99 ، 100 والإمام أحمد في مسنده بنحوه 3 / 494 ، 6 / 22 ، والحاكم في المستدرك بنحوه كذلك وسكت عنه هو والذهبي ، كتاب معرفة الصحابة 3 / 443 . والحديث نقله ابن كثير في فضائل القرآن عن أبي عبيد ، كما نقل غيره من الأحاديث ثم قال : وهذه طرق حسنة في باب الترهيب اه ص 36 ، وأورد الحديث مختصرا ابن حجر في الإصابة عند ترجمة عابس الغفاري وعزاه إلى ابن شاهين والبخاري في تاريخه . انظر الإصابة 5 / 265 - 266 . ( 7 ) قال الخطابي : معناه زينوا أصواتكم بالقرآن ، وهكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث ، وزعموا أنه من باب المقلوب ، كما قالوا « عرضت الناقة على الحوض ، أي عرضت الحوض على الناقة . . . » اه . معالم السنن بهامش سنن أبي داود 2 / 155 . والمراد من المقلوب : أن يعرب كل واحد من الفاعل والمفعول إعراب الآخر لظهور المعنى ، وللنحاة فيه مذاهب وشواهد كثيرة . انظر شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 2 / 181 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 2 / 110 . قلت : وحديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف بعد حديث البراء يؤيد ما ذهب إليه الخطابي من فهمه لحديث البراء . ( 8 ) بوب له البخاري بقوله : باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « الماهر بالقرآن مع الكرام البررة ، وزينوا القرآن