علم الدين السخاوي
317
جمال القرّاء وكمال الإقراء
قال أبو عبيد : ومعنى ( تغنوا « 1 » به ) « 2 » : اجعلوه غناكم من الفقر ولا تعدّوا الاقلال معه فقرا . ومعنى ( اقتنوه ) : اجعلوه مالكم كما تقتنوا الأموال « 3 » . وعن أبي سعيد الخدري - رحمه اللّه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول الرب عزّ وجلّ : ( من شغله القرآن وذكري عن مسألتي ، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) » « 4 » . فإن قيل : التلاوة أفضل أم الذكر ؟ . قلت : « إذا تلوت خاطبك اللّه عزّ وجلّ « 5 » ، وإذا ذكرته فأنت تخاطبه ، ولا مزيد على هذا » « 6 » . وقيل لعبد اللّه بن مسعود - رحمه اللّه - : ( إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا ،
--> والحديث في مسند الإمام أحمد 4 / 146 ، 153 . وفي سنن الدارمي كتاب فضائل القرآن باب في تعاهد القرآن 2 / 439 ، وفي فضائل القرآن للنسائي باب الأمر بتعلم القرآن والعمل به ص 55 ، وأصل الأمر بتعاهد القرآن وعدم نسيانه في صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الأمر بتعاهد القرآن 6 / 75 - 78 . ( 1 ) في د وظ : ومعنى ( وتغنوا به ) . ( 2 ) وعند حديث « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » فسرّه أبو عبيد بقوله : قوله « من لم يتغن » من التغاني ، والاستغناء : التعفف عن مسألة الناس واستئكالهم بالقرآن ، وأن يكون في نفسه بحمله القرآن غنيا وإن كان من المال معدما اه فضائل القرآن باب القارئ يستأكل بالقرآن . . . الخ ص 142 . وهو كلام حسن في نفسه إلّا أن الحديث لا يدل على هذا المعنى ، وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير الذي يدل عليه الحديث . ( 3 ) نقل هذا ابن كثير عن أبي عبيد ، ثم ساق بعض الآثار الدالة على الأمر بالتغني بالقرآن وتحسين الصوت به ، ثم قال : فقد فهم من هذا أن السلف رضي اللّه عنهم إنّما فهموا من التغني بالقرآن إنّما هو تحسين الصوت به ، كما قال الأئمة رحمهم اللّه اه فضائل القرآن لابن كثير 34 ، 35 ، وانظر التبيان للنووي فصل في استحباب تحسين الصوت بالقراءة ص 58 ، 59 ، والإتقان 1 / 302 ، والتذكار : 102 . وأقول : يشترط في التغني بالقرآن أن يكون مع مراعاة أحكام التجويد فإن خرجت التلاوة عن هذا الإطار فإنها لا تجوز . ( 4 ) تقدم تخريج هذا الحديث في أول الكلام عن فضائل القرآن من هذا الكتاب ص 220 . ( 5 ) ومعنى خاطبك اللّه : أن القرآن - وهو كلامه تعالى مشتمل على أوامر ونواهي وأحكام وآداب وغير ذلك . . إذا فالتالي للقرآن الكريم كأنه يردد أوامر اللّه تعالى ونواهيه . واللّه أعلم . ( 6 ) أي لست في حاجة إلى مزيد على هذا ، وهو أنك حصلت على مطلوبك في تلاوتك لكتاب ربّك وهو لا شك أفضل الأذكار ، وقد تقدم ذكر كثير من الآثار في هذا ، أنه ما تقرّب العباد إلى ربّهم بأفضل من كلامه . يقول القرطبي : وإنّما كان القرآن أفضل الذكر - واللّه أعلم - لأنه مشتمل على جميع الذكر