علم الدين السخاوي
248
جمال القرّاء وكمال الإقراء
براءة والنور « 1 » أبو عبيد « 2 » بسنده عن أبي عطية « 3 » : ( كتب « 4 » إلينا عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه ورحمته - تعلموا سورة التوبة ، وعلّموا نساءكم سورة النور ) « 5 » .
--> ( 1 ) لعل سائلا يسأل فيقول : ما الحكمة من قرن سورة « براءة » مع « النور » وبينهما سور كثيرة وردت أحاديث وآثار في فضلها ؟ فأقول : أما بالنسبة للعنوان فواضح من الأثر المتضمن للسورتين ، وأما بالنسبة للأثر الذي رواه أبو عبيد عن أبي عطية ، والذي فيه الأمر بتعلم سورة « التوبة » وتعليم النساء سورة « النور » فلعل من أهم ذلك ما يلي : أ ) أن سورة « التوبة » عرضت للحديث عن العهود والمواثيق التي كانت بين أهل الكتاب والمشركين من جهة ، وبين المسلمين من جهة أخرى ، ومن المعلوم أن الذي يقوم بابرام ذلك ويتولاه هم الرجال . . ب ) ثم إنّ سورة « براءة » تحدثت عن قتال المشركين الذين نقضوا العهد وأول من يقوم بذلك - لا شك - هم الرجال . ج ) وأيضا فإنّ سورة « براءة » كشفت عن أسرار المنافقين وفضحتهم ولم تترك أحدا منهم إلّا نالت منه ، وأظهرت للمسلمين خطرهم ومكرهم وكيدهم حتى يأخذوا حذرهم منهم ، وحتى لا يقع ضعاف النفوس فيما وقع فيه أولئك فيفضحهم اللّه أمام الناس . وأمّا بالنسبة للأمر بتعليم نسائنا سورة النور فيمكن ذكر أهم الحكم فيما يلي : أ ) تناولت السورة الحديث عن الأسرة التي تعد النواة الأولى لبناء المجتمع ، وعملت سياجا محاطا بها للمحافظة على شرفها وصيانة عرضها . ب ) تعرضت للحديث عن الزنى وبدأت بذكر الزانية قبل الزاني ، بخلاف السرقة التي ذكرت في سورة ( المائدة ) فقد بدئ فيها بذكر السارق لأن الرجل فيه جرأة وقدرة على السرقة أكثر من المرأة ، بخلاف الزنى فإن المرأة - عادة - إن لم تطاوع الرجل فلن يحصل الزنى إلّا بالقهر والتهديد . ج ) وتحدثت السورة عن كثير من الآداب السامية والأخلاق الرفيعة ومنها حرمة اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات ، وبينت محارم المرأة التي لا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها لغيرهم ، وتعرضت للقواعد منهن اللاتي لا يرجون نكاحا . إلى آخر تلك المعاني التي تحملها السورتان في طياتهما والتي يمكن للقارئ استخلاص الكثير منها ، ولا يتسع المقام لذكر أكثر من هذا . واللّه أعلم . ( 2 ) أي وروى أبو عبيد ، وهكذا كلما يأتي نحو هذا اللفظ كقوله : الترمذي . . . وكقوله : النسائي . . . إلخ . ( 3 ) مالك بن عامر أبو عطية الوادعي الهمداني تابعي ثقة من الثانية ، مات في حدود السبعين . قال : جاءنا كتاب عمر . ، هكذا قال ابن حجر انظر التهذيب 12 / 169 ، والتقريب 2 / 451 ، وتهذيب الكمال 1 / 298 وتاريخ الثقات 418 ، والإصابة 11 / 278 رقم 847 . ( 4 ) في بقية النسخ : قال : كتب . . . إلخ . ( 5 ) أخرجه أبو عبيد في فضائله - كما قال المصنف - بسنده إلى أبي عطية ص 173 باب فضل سورة براءة .