علم الدين السخاوي
212
جمال القرّاء وكمال الإقراء
ملابس مختلفة رائعة ، إذا رأيت الواحدة منها « 1 » قلت : هذه ، فإذا رأيت الأخرى قلت : بل هذه ، فإذا جاءت الأخرى « 2 » قلت ؛ لا بل هذه ، حتى لا تفضل واحدة على الأخرى ، ولا يقدر بليغ ولا ناقد في الفصاحة على ذلك أبدا . فإن قيل : فهل في إقامته البراهين وإيراد الدلائل على الوحدانية بذكر السماوات والأرض وتصريف الرياح والسحاب ، وبأنه ( لو كان فيهما آلهة إلّا « 3 » اللّه لفسدتا ) « 4 » وعلى البعث بإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها ، وبالنشأة الأولى إلى غير ذلك : إعجاز ؟ . قلت : الإعجاز من جهة إيراد هذه الحجج في الأساليب العجيبة والبلاغة الفائقة ، فهو راجع إلى ما قدّمناه من نظم القرآن وإعجازه « 5 » وأما كونها براهين قاطعة ، فهو دليل على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنّه لم يكن من أهل هذا ولا قومه ، ولا يعرف شيئا منه ، فلا اكتراث بعد ذلك بما أظهره حاسد أو معاند أو جاهل من شك أو ارتياب يظهره لضعيف يكفّره . ومن آيات اللّه عزّ وجلّ وتمام حكمته أن تعاطى مسيلمة الكذاب « 6 » معارضته ، فأتى بما جعله ضحكة للعالمين ، ليظهر بذلك مضمون خبره الصادق ، بأنّ المعارضة ممتنعة ، وأن المماثلة مندفعة .
--> - « ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها . . . » اه . ( 1 ) ( منها ) ساقطة من د ، ظ . ( 2 ) في د ، ظ : فإذا جاءت رأيت الأخرى قلت . ( 3 ) كتبت الآية خطأ في كل النسخ ففي الأصل : إله إلّا اللّه لفسدتا وفي بقية النسخ : إله آخر لفسدتا . ( 4 ) اقتباس من آية ( 22 ) من سورة الأنبياء . ( 5 ) القرآن معجز بأسلوبه ونظمه وبلاغته ، وما اشتمل عليه من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد ، والإخبار بالأمور الغيبية الماضية والحاضرة والمستقبلة ، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء . وقد تقدم أن ذكرت عن الزركشي قوله بأنّ الإعجاز واقع بكل هذا . يقول الخطابي : « واعلم أن القرآن إنّما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني ، من توحيد له عزّت قدرته وتنزيه له في صفاته ودعاء إلى طاعته . . . » اه . ثلاث رسائل : 27 ، ونقله عنه الزركشي : 2 / 103 ، والسيوطي 4 / 13 . ( 6 ) مسيلمة بن ثمامة الحنفي ، أبو ثمامة ، متنبئ ، أحد الذين ادعوا النبوة في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وقد أكثر من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن الكريم ، قتله المسلمون في خلافة أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - . سنة 12 ه . انظر : البداية والنهاية 5 / 46 - 47 . وسيرة ابن هشام : 2 / 72 ، والأعلام 7 / 226 .