علم الدين السخاوي

153

جمال القرّاء وكمال الإقراء

فإن قيل : ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا « 1 » ؟ قلت : في ذلك تكريم بني آدم ، وتعظيم شأنهم عند الملائكة ، وتعريفهم عناية اللّه عزّ وجلّ بهم ورحمته لهم . ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لمّا أنزل سورة الأنعام أن تزفها « 2 » وزاد سبحانه في هذا المعنى : - بأن أمر جبريل - عليه السلام - بإملائه على السفرة

--> ( 1 ) ما في قوله ما في إنزاله . . إلخ اسم استفهام ، وكأنه ساق هذا الاستفهام ليبين الحكم التي من اجلها أنزل اللّه تعالى القرآن إلى سماء الدنيا دفعة واحدة ، ثم شرع يجيب على هذا التساؤل . ( 2 ) ذكره ابن كثير بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس وغيره . انظر تفسيره 2 / 122 ، وراجع الدر المنثور 3 / 243 حيث نسب هذا القول - نقلا عن المفسرين - إلى ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب ، وعطاء . وانظر فتح القدير 2 / 96 فقد أورد هذا إلى ابن عباس وغيره من عدة طرق . يقول الألوسي : 7 / 76 وخبر تشييع الملائكة لها رواه جمع من المحدثين إلّا أن منهم من روى أن المشيعين سبعون ألفا ، ومنهم من روى أنهم كانوا أقل . ومنهم من روى أنهم كانوا أكثر . اه وبعد ذكر الألوسي الآثار الدالة على فضل هذه السورة قال : ولعل الأخبار بنزول هذه السورة جملة ، إمّا ضعيف وإمّا موضوع . . إلى أن قال : ويؤيد ما أشرنا إليه من ضعف الأخبار بالنزول جملة : ما قاله ابن الصلاح في فتاويه : الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبي بن كعب ، ولم نر له سندا صحيحا ، وقد روى ما يخالفه اه وانظر : الإتقان 1 / 108 . قلت : إلّا أن المحققين من أهل التفسير كابن كثير والسيوطي والشوكاني قد ساقوا - في بداية تفسيرهم لهذه السورة - الآثار الدالة على نزولها جملة يشيعها سبعون ألف ملك ، ولم يذكروا في تلك الآثار مطعنا وابن كثير - كما نعلم - فارس هذا الميدان ، وهو حافظ ناقد بصير بالروايات ، وإضافة إلى هذا فقد ذكر أنها نزلت جملة واحدة . . . كل من البغوي والخازن 2 / 95 ، والفخر الرازي : 12 / 141 ، والقرطبي 6 / 382 ، وغيرهم وأخيرا وقفت على تحقيق جيد نفيس للسيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار 7 / 285 فقد ناقش كلام ابن الصلاح الذي نقله عنه الألوسي وفنده . - أما بالنسبة لتشييع الملائكة لها فهو حملها وزفها إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن معاني الزفزفة كما جاء في القاموس 3 / 153 شدّة الجري وهزيز الموكب . اه وإذا نظرنا إلى الروايات المتعددة التي ساقها ابن كثير والسيوطي نجد بعضها يفسر بعضا ، ففي بعضها جاء بلفظ التشييع وفي بعضها لهم زجل ، وفي البعض الآخر معها رجز من الملائكة ، وفي بعضها قد سدّوا ما بين الخافقين ، وقد سدّوا الأفق . . وهكذا . ولا شك ان جبريل عليه السلام هو أمين الوحي ، وهو السفير بين اللّه وبين محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ الشعراء ( 193 ) . وهو ملك كريم إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ التكوير ( 19 ) . ولكن لا يمنع من أن اللّه تعالى يصطفي من الملائكة رسلا فينزلون مع جبريل أحيانا ، وهذا مما يزيد الموقف مهابة وإجلالا .