محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي

13

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل

[ 9 ] فإن قيل : كيف قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] . والاستهزاء من باب العبث والسخرية . وهو قبيح . واللّه تعالى منزّه عن القبيح ؟ قلنا : سمّي جزاء الاستهزاء استهزاء مشاكلة ؛ كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . فالمعنى : اللّه يجازيهم جزاء استهزائهم . [ 10 ] « 1 » فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] ومعلوم أنّ الصيّب لا يكون إلّا من السماء ؟ قلنا : فائدته أنه ذكر السماء معرفة وأضافه إليها ليدلّ على أنّه من جميع آفاقها ، لا من أفق واحد ، إذ كلّ أفق يسمّى سماء . قال الشّاعر : ومن بعد أرض بيننا وسماء [ 11 ] فإن قيل : كيف قال : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] ، مع أنّ المشركين لم يكونوا عالمين أنه لا ندّ له ، ولا شريك له ؛ بل كانوا يعتقدون أنّ له أندادا وشركاء ؟ قلنا : معناه وأنتم تعلمون أنّ الأنداد لا يقدرون على شيء ممّا سبق ذكره في الآية ، أو وأنتم تعلمون أنّه ليس في التّوراة والإنجيل جواز اتّخاذ الأنداد . [ 12 ] فإن قيل : كيف قال : فَاتَّقُوا النَّارَ [ البقرة : 24 ] ، فعرّف النار هنا ، ونكّرها في سورة التّحريم ؟ قلنا : لأنّ الخطاب في هذه مع المنافقين ، وهم في أسفل النار المحيطة بهم ، فعرّفت بلام الاستغراق أو العهد الذّهني ، وفي تلك مع المؤمنين ، والذي يعذّب من عصاتهم بالنّار يكون في جزء من أعلاها ، فناسب تنكيرها لتقللها . وقيل : لأنّ تلك الآية نزلت بمكّة ، قبل هذه الآية ، فلم تكن النار التي وقودها

--> ( 1 ) ( [ 10 ] ) صيّب : على وزن فيعل ، مأخوذ من صاب يصوب ، والمراد به المطر أو السحاب . كقول علقمة بن عبدة : فكأنّما صابت عليه سحابة * صواعقها لطير هنّ دبيب - الشاهد الذي ذكره الرّازي عجز بيت حكاه الفراء في كتابه معاني القرآن عن أبي الجراح . والبيت بتمامه : فأوّه من الذّكرى إذا ما ذكرتها * ومن بعد أرض بيننا وسماء وقوله : أوّه ( مأخوذ من يتأوّه له ) لغة في بني عامر ، على ما ذكر الفرّاء . يراجع معاني القرآن ، مج 2 ص 23 . وقد وهم بعض فروى صدر البيت كالتالي : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها * . . . . . . .