محمد بن الحسن الشيباني
مقدمة 8
نهج البيان عن كشف معاني القرآن
وصرّح أمير المؤمنين - عليه السّلام - بأنّ العمل بهذا القرآن موقوف على تفسيره وكشف المراد منه في قضيّة التحكيم ، بقوله : « هذا القرآن إنّما هو خطّ مسطور بين الدّفّتين ؛ لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان . وإنّما ينطق عنه الرجال » « 3 » . فالقرآن مرشد صامت ؛ وإنّما ينطق عنه لسان الناطقين . فهو حاكم محتاج إلى ترجمان . فلا بدّ أن يقوم الرجال العارفون بالمراد من هذه الخطوط ببيانه والكشف عنه . ويسمّى هذا الكشف والبيان تفسيرا . قال في القاموس : « الفسر : الإبانة وكشف المغطّى ؛ كالتفسير » « 4 » وقال الطريحيّ : « التفسير في اللّغة : كشف معنى اللّفظ وإظهاره . مأخوذ من الفسر . وهو مقلوب السفر . يقال : أسفرت المرأة عن وجهها : إذا كشفته » « 5 » . فالتفسير هو بيان ظواهر آيات القرآن ، حسب قواعد اللّغة العربيّة . وهو الّذي رغّب فيه القرآن الشّريف ؛ حيث مدح اللّه أقواما على استخراجهم معاني القرآن ، فقال تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ « 6 » . وذمّ أقواما لم يتدبّروا القرآن ولم يتفكّروا في معانيه فقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 7 » . والاستنباط كذلك لا يختصّ بآية دون آية ، وقوم دون قوم ؛ حيث ذكرنا أنّ القرآن أنزل على قواعد لسان فصحاء العرب ومكالماتهم في أنديتهم وسائر محاوراتهم وأجرى فيه على طريقتهم من الاستعمالات الحقيقيّة والمجازيّة والكنائيّة وغيرها ؛ ممّا يعرف مداليلها الظّاهرة أهل اللسان الّذين لم يشوّه لغتهم ، بحسب طبعهم ، ويعرفها غيرهم بالتعلّم لقواعد لغتهم . وأمّا حجّيّة جميع تلك الظواهر ، والحكم بكون كلّها مرادا واقعيّا للّه تعالى ، فقد منعنا عنه القرآن ؛ حيث صرّح فيه بالتفرقة بين آياته . فقال اللّه تعالى :
--> ( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة 125 . ( 4 ) القاموس المحيط 2 / 110 . ( 5 ) مجمع البحرين ، مادة « فسر » . ( 6 ) النساء ( 4 ) / 83 . ( 7 ) محمد ( 47 ) / 24 .