روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
97
عرائس البيان في حقائق القرآن
عن نعمه ، وإفلاسه عما يظهر منه ، هذه صفة العلماء باللّه . قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً : نبهنا اللّه سبحانه أن الوصول إلى قربه ووصاله ومراتب دنوّه في جنان مشاهدته لمن لا يكون له حبّ الرياسة والجاه في قلبه ، ولا يباشر حظوظ نفسه وهواه ، ومن خصّ بهذه الدرجات الشريفة لا يأتي منه أفعال المخنثين من أهل الرياء والسمعة ، الذين تركوا الدين بالدنيا وجاهها ، وأفسدوا وجه الأرض بسالوسهم وناموسهم ، ضرب اللّه أعناقهم ؛ فإنهم قرناء الشياطين في جهنم ، نعوذ باللّه من شؤم معصيتهم . قال يحيي بن معاذ : الدنيا خمر إبليس ، من شرب منها شربة لا يفيق إلا في عسكر القيامة . وقال ابن عطاء : العلو النظر إلى النفس ، والفساد النظر إلى الدنيا . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 85 إلى 87 ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ : إن اللّه سبحانه خلق روح المصطفى صلى اللّه عليه وسلم بين نورين : نور الجمال ، ونور الجلال ، حين أظهر ذاته سبحانه ، فوصل نور الذات إلى نور الجمال والجلال ، ثم تجلّى من جميع الصفات والذات بين الجلال والجمال المكمن غيب الغيب ، فظهر روحه عليه السّلام ، وصار أهلا للقرآن ؛ لأنه كان مخصوصا بأهلية رؤية الذات والصفات جميعا ، فنزل القرآن على معدن أهلية ، ليأخذه ويرجع به إلى معدنه الذي بدأ منه ، وهذا معنى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي : إن الذي خاطبك بكلامه القديم لرادّك إليه بمراكب القرآن ، وذلك المعدن معدن التنزيه المنزه عن التشاكل والتباعض والاجتماع والافتراق ، نظر إلى شوقك في قلبك إلى معدنك من عالم الملكوت والجبروت يردك بأنوار صفاته إلى مشاهدات ذاته ، تعالى اللّه عن إشارة الزنادقة والثنويين ؛ لذلك قال عليه السّلام : « حبّ الوطن من الإيمان » « 1 » . قال الواسطي في لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال : مجالسة ليلة المسرى وإلى مخاطبات الروح بالقرآن .
--> ( 1 ) ذكره القاري في المصنوع ( 1 / 91 ) .