روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

85

عرائس البيان في حقائق القرآن

فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الحياء من الإيمان » « 1 » ثم بيّن سبحانه ما رمزنا من وصف فراستها بقوله : قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ رأت بنور الولاية قوة النبوة وأمانة الصديقية ، وأيضا قوة المعرفة والربوبية وأمانة المحبة والعبودية ، وتكلمت مما رأت في المستقبل من أمانة موسى بالوفاء في شرطه شعيب في عهده بقوله ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وقوة إرادته في خدمته عشر حجج ، وهذه الكلمة أيضا صدرت منها من رأس شقيقة روحها من روح موسى ؛ لذلك صارت له أهلا ، فأبصر شعيب ما أبصرت من سوابق الحكم في المشيئة والمقادير في الأزل لذلك قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ؛ لأنه رأى بنور النبوة أنه يبلغ إلى درجة الكمال في ثماني حجج ولا يحتاج إلى التربية بعد ذلك ، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج ؛ لأنه رأى أن بعد العشر لا يبقى مقام الإرادة ، ويكون بعد ذلك مقام الاستقلال والاستقامة ، ولا يحتمل مؤنة الإرادة بعد ذلك ؛ لذلك قال : وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 29 إلى 33 ] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) قوله تعالى : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ : افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار وأنفاسهم من بدو الإرادة بل من وقت الولادة ، بل من كون الروح من العدم في مشاهدة القدم منقسمة على شرائف الأحوال ، في كل نفس لهم سر وحال ووجد وخطاب ومقام وكشف ومشاهدة ، فأجل الإرادة أجل المعاملات وأجل الحالات ، فإذا تم أوائل المعارف وأمارات الكواشف لموسى ولم يبق عليه حق

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2268 ) ، ومسلم ( 1 / 63 ) .