روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
69
عرائس البيان في حقائق القرآن
الجمع أيضا أَنَا آتِيكَ بِهِ أي : اللّه يأتيك به كأنه يقول : إن اللّه قادر على أن يأتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك . قال بعضهم في قوله : الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أي : له نظر في الغيب ، وعلم بمجاري الغيوب ؛ فعلم أن اللّه يريد أن يأتي سليمان بذلك ؛ فأخبر عن حقيقة الغيب . ثم أخبر سبحانه عن رؤية سليمان فضله ، والثناء عليه ، والشكر له خاصة مفردا عن النظر إلى الأغيار فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي في قوله هذا من فضل ربي غيرة سليمان على آصف ، ودفع النظر عن الوسائط ، وهذا أيضا من غيرة التوحيد ، فأشار بهذا اللفظ أن آصف وصنيعه عامل من عمل حضرته خلقه اللّه لنصرته ونفاذ مراده . قال أبو حفص : من رأى فضل اللّه عليه أرجو ألا يهلك ، قوله : وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ فيه بيان أن شكر الشاكرين منصرف عن المشكور الأزلي إليهم لا إلى الحق ؛ فإنه تعالى منزه عن شكر الشاكرين ، وصبر الصابرين ، ومعرفة العارفين ، وطاعة المطيعين ، إسلام المسلمين ، وكفر الكافرين بقوله : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) ، واستعمال لفظ الكرم ، والغنى هاهنا من إشارة علم المجهول إذ استغنى الحق بجلال عزته عن كفر الكافر ، وإسلام المسلم ؛ فقد أسقط الكل عن شرائع الربوبية ومشاهد القدسية وبقي الحق للحق منفردا بنفسه ، مستغنيا عن غيره ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ فهو كريم يتفضل على الجميع ، ويؤديهم إلى ساعة غنى بقائه وقدمه ، إذ لا يضر به كفر الكافر ، ولا ينفع به إيمان المؤمن ؛ فإذا اشتمل بغناه ، وكرمه من العرش إلى الثرى ، ولا يعاقب أحدا من حيث استغنائه وكرمه . قال الجنيد : الشكر فيه علة ؛ لأنه يطلب لنفسه المزيد ، وهو واقف مع ربه على حظ نفسه ، قال اللّه : وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ أي : طالبا للمزيد . وقال الواسطي : في الشكر إبطال رؤية الفضل ، كيف يوازي شكر الشاكرين فضله ، وفضله قديم ، وشكرهم محدث ، وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ؛ لأنه غني عنه ، وعن شكره . وقال الشبلي : الشكر هو الخمود تحت رؤية المنة . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) . امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة ؛ فإذا كان كذلك من ينجو من مكره ، والحدث لا