روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
450
عرائس البيان في حقائق القرآن
والمحبوب واحد ، ألا ترى كيف قال لحبيبه : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، كأنهم كانوا في الأزل وأيام القدم مع حبيبهم ، إذ الحبيب كان قائما مقامهم ، وإن كانوا معدومين ، أي : اشربوا شراب وصالي من أزل الآزال إلى أبد الآباد ، فأيام القدم خالية عن وجود الحدثان ، وأيام البقاء لا تكون خالية عن شوق المشتاقين ، وزفرة الوالهين ، ودوران العارفين في ساحة كبريائه ، وسرادق بقائه . قال الواسطي : أي : الأيام الخالية عن ذكر اللّه ؛ لتعلموا أنكم في فضله دون جزاء الآمال . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 25 إلى 44 ] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ : أقسم اللّه سبحانه بما ظهر من أنوار صفاته في آياته لذوي الأبصار من العارفين . وَما لا تُبْصِرُونَ : من كشف ذاته التي لو بدا نور من أنواره لذابت من سبحات الكون وما فيه ، وأيضا « ما تبصرون » من معجزات أنبيائي ، وكرامات أوليائي ، وما لا تبصرون عما في قلوبهم من العلوم اللّدنية ، والأحكام الغيبية . قال جعفر : بما تبصرون من صنع في ملكي ، وما لا تبصرون من برّى إلى أوليائي . وقال الجنيد : بما تبصرون من آثار الرسالة على حبيبي وصفيّ ، وما لا تبصرون من سري معه الذي أخفيته عن الخلق . قال ابن عطاء : بما تبصرون من آثار القدرة ، وما لا تبصرون مما اخترن من خلقه الذي لم يجر القلم به ، ولم يشعر الملائكة بذلك ، وما أظهر اللّه للخلق من صفاته ، وأراهم من صنعه ، وأبدا لهم من علمه في جنب ما اخترن عنهم إلا كدرة في جنب الدنيا والآخرة ، ولو أظهر اللّه من حقائق ما اخترن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن حملها .