روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

444

عرائس البيان في حقائق القرآن

الملكوتية التي خرجت من العدم بكشف نور القدم ، ونداء الأزل ، وندائي للقلم حين قلت بعدما أوجدته اكتب ما هو كائن إلى الأبد ، وبهذا القلم النوري ، وما يسطرون أهل قربي من خطابي أي : بهذه الأقسام المباركة يا حبيبي يا قرة عيون العارفين ، وبنون حاجبيك ، وقلم لسانك ، ولوح وجهك ، وما يسطرون كتبته أنوار تجلاتي من عجائب سنا كشف جمالي في جمالك لنظر هلال جلالك وجمالك . ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 3 ) ، أي : لست باصطفائيتك ، ونعمة ربك من النبوة والولاية ، مثلما يزعمون هؤلاء الظلمة ، بل أنت سيد حبيب صفيّ نبيّ مرسل ، رغم أنف الكفرة . قال سهل : « النون » : اسم من أسماء اللّه ، وذاك أنه إذا جمعت أوائل هذه السور الثلاث « الر » ، و « حم » ، و « ن » يكون الرحمن . وقال جعفر : نور الأزلية الذي اخترع منه الأنوار كلها ، فجعل ذلك لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلذلك قيل له : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) أي : على النور الذي خصّصت به في الأزل . وقال بعضهم : « النون » : نور القدرة ، و « القلم » القضاء ، و « ما يسطرون » : الملائكة كرام الكاتبين . قوله تعالى : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) : بيّن له الأجر ، وليس أجره في مقابلة فعله ، وليس هو بناظر إلى فعله وإلى شيء من الأعراض ، ارتفع قدره عن ذلك لما وصفه اللّه في شهوده جمال الحق ، بألا يميل إلى غيره بقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، فأجره : قرب اللّه ووصاله ، وكشف جماله له أبدا ، وذلك غير محتجب عنه ، وأيضا أجره : قبول شفاعته غير منقطع شفاعته لأهل الكبائر من أمته ، لا يخيب رجاءه في غفرانهم جميعا بلا عتاب ولا عذاب . قال سهل : غير محدود لما لم يطالع الأعواض ، ولم يعتمد على شيء سوانا ، كأن ذلك أجر غير ممنون ، وهو ما شهدت من المشاهد والمواقف . قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) ، أي : ألبستك خلقي ، فأنت على خلقي ، وخلقي عظيم ، ومن عظم خلقي أنه نعتي ووصفي ألبسته إياك ، وخصصتك بحمله ، فإن حمله لا يأتي من غيرك من العرش إلى الثرى ، فإن بخلقك ذقت طعم شهود مشاهدتي ، فيسهل عليك جريان القضاء والقدر ، فأنت تشاهدني بنعت تحملك أثقال أمري فيك ، فطابت خلقك من خلقي في خلقي . قال الواسطي : هو لباس النعوت ، والتخلّق بأخلاقه ؛ إذ لم يبق للأعراض عنده خطر . قال الحسين : معناه : أنه لم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعة الحق .