روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
439
عرائس البيان في حقائق القرآن
بِيَدِهِ الْمُلْكُ : يقلبه بحوله وقوته ، يؤتيه من يشاء ، وينتزعه ممن يشاء ، وهو القادر عليه جلّ وتعالى . وقال جعفر : أي : هو المبارك على من انقطع إليه ، أو كان له . قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ، الموت والحياة عرضان ، والأعراض والجواهر مخلوقة له ، وأصل الحياة : حياة تجلّيه ، وأصل الموت : موت استتاره ، وهما يتعاقبان للعارفين في الدنيا ، فإذا ارتفع العجب يرتفع الموت عنهم ، بأنهم يشاهدونه عيانا بلا استتار أبدا ، ولا تجري عليهم طوارق الحجاب ، بعد ذلك قال اللّه : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، خلق الموت والحياة ، يميت قوما بالمجاهدات ، ويحيى قوما بالمشاهدات ، يميت قوما بنعت الفناء في ظهور سطوات القدم ، ويحيى قوما بنعت البقاء في ظهور أنوار البقاء ، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، لولا التجلي والاستتار لا يظهر شوق المشتاقين في تفاوت درجات الشوق ، ولا يتبين وله العاشقين وتفاوت درجاتهم في العشق ، هو « العزيز » يمنعه الجمهور عن الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته ، وهو « الغفور » بأن ينعمهم بكشف مشاهدته ، ويتجاوز عن قصور قصودهم في الشوق إليه . قال سهل : « الموت » في الدنيا بالمعصية ، و « الحياة » في الآخرة بالطاعة في الدنيا ، بقوله : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، أي : الذي يدركه التوفيق ، فيحييه بالطاعة ، ويبعده عن المعصية . وقال : « العزيز » : المسيع في ملكه ، « الغفور » : يستره بجوده . قال الجنيد : حياة الأجسام مخلوقة ، وهي التي قال اللّه : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ، وحياة اللّه دائمة لا انقطاع لها ، أوصلها إلى أوليائه في قديم الدهر الذي ليس له ابتداء بمراده . قيل : إن خلقهم فكانوا في علمه أحياء ما هم قبل إيجادهم ، ثم أظهرهم فأعادهم الحياة المخلوقة التي أحيى بها الخلق ، وأماتهم بسره فكانوا في سره بعد الوفاة كما كانوا ، ثم أورد عليهم حياة الأبد ، فكانوا أحياء ، فاتصل الأبد بالأبد ، فصار أبدا في أبد في أبد الأبد . وقيل : « حسن العمل » : نسيان العمل ، ورؤية الفضل . قال الواسطي : من أحياه اللّه عند ذكره في أزله لا يموت أبدا ، ومن أماته في ذلك لا يحيى أبدا ، وكم حيّ غافل عن حياته وميت غافل عن مماته . قوله تعالى : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ( 3 ) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ : حارت الأبصار والبصائر عن إدراك مائية استواء أفعاله ؛ لأنها عاجزة عن اللحاق