روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
398
عرائس البيان في حقائق القرآن
وحسن المعرفة على موافقته . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 22 إلى 26 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 26 ) قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ : يا عجبا من كان قادرا أن يوصل العباد إليه بلا مصيبة ولا تعب فكيف يصيبهم المصيبة ؟ أراد أن يعرّفهم بامتحان القهر حقائق الربوبية ، وأن يعرّفهم غرائب الطريق إليه حتى عرفوه بجميع الصفات ، وشاهدوا جميع النعوت ، ولولا ذلك لما عرفوه بالحقيقة في معرفة غيره ، فمن سمع هذا الخطاب ينصرف نظره من المصيبة إلى سوابق الامتحان حتى يكون برؤية السبق شاهد الحق راضيا بقضائه ، صابرا في بلائه ؛ لأنه هناك يحتمل البلاء برؤية المبلي . قال الجنيد : من عرف اللّه بالربوبية ، وافتقر إليه في إقامة العبودية ، وشهد بسره ما كشف اللّه له من آثار القدرة بقوله : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا به فسمع هذا من ربه وشهد بقلبه وقع في الروح والراحة وانشرح صدره وهان عليه ما يصيبه ، ثمّ زاد سبحانه في تأكيد طلب الرضا من عباده ويقينهم باختياره لهم والصبر في بلائه بقوله : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ : طالب اللّه بهذه الآية أهل معرفته بالاستقامة والإنصاف بصفاته ، أي : كونوا في المعرفة بألا يؤثر فيكم الفقدان والوجدان والقهر واللطف والاتصال والانفصال والفراق والوصال والكفر والإيمان والطاعة والعصيان ؛ لأن من شرط الاتّصاف ألا تجري عليه أحكام التلوين ، والاضطراب في اليقين والاعوجاج في التمكين ، لا تأسوا على ما فاتكم من معرفة الأزل ؛ فإن الأزل للأزل لا لأنفسكم ، فإذا سقط الأسف لا تفرحوا بما تجدون من الأبد ؛ فإن الأبد للأبد ، وأنتم معزولون من كلا الطرفين ؛ فإن الحقيقة ترجع إلى العلة . قال سهل : في هذه الآية دلالة على حال الرضا في الشدة والرخاء . وقال القاسم : ما فاتكم من أوقاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم من توبتكم وطاعتكم ،