روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

395

عرائس البيان في حقائق القرآن

وسيدهم الصدّيق الأكبر ، وهم الذين لم يرثوا الدنيا على الآخرة ، بل بذلوها ولم يعرجوا عليها ، واعتمدوا في ذلك ربهم ، وطلبوا رضاه وموافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فخصّهم اللّه من بين الأمة بقوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 11 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 11 ) قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً : شكا اللّه بهذه الآية من طباع الخليقة المجهولة بالبخل ، حيث سأل منهم القرض ، ولو كانوا على محل التقديس لخرجوا من وجودهم له قبل سؤاله ، ومع ذلك القرض الحسن ما أعطاه بنعت الخجل مما بذل فأين حسن الإيمان ؟ يعرف إن العبد وما ملك لسيده ، فكيف يقرضه وهو وماله له ، فمن عرف نفسه بالعبودية ، وعرف أن الكل له فما يعطي بعد ذلك ، فهو القرض الحسن . قال سهل : أعطى اللّه فضلا ، ثم سألهم قرضا وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . قال الواسطي : القرض الحسن للعوام ، وللخاص الخروج عن جميع الأملاك عن طيبة النفس والرضا كأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 12 إلى 15 ] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) قوله تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ « 1 » : إن اللّه سبحانه ألبس العارفين نور عظمته وكبريائه ، وأسبل على وجوههم سنا هيبته وضياء بهائه ، وجعلهم مشكاة أنوار تجليه ، تتناثر منهم أنوار هيبة الحق يمينا وشمالا وخلفا وقداما وفوقا وتحتا ، وهم

--> ( 1 ) نور المؤمن يسعى بين يديه ، له هيبة في قلوب الموافقين والمخالفين ، يعظمه الموافق ويعظم شأنه ، ويهابه المخالف ويخافه ، وهو النور الذي جعله اللّه تعالى لأوليائه ، ولا يظهر ذلك النور لأحد إلا إن انقاد له وخضع ، وهو من نور الإيمان . تفسير التستري ( 2 / 124 ) .