روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

387

عرائس البيان في حقائق القرآن

قال ابن عطاء : « سبحان اللّه » : أعظم من أن يلحقه تسبيحك ، أو يحتاج إلى شيء منك ، لكنه شرف عبيده أن أمرهم أن يسبّحوه ؛ ليظهروا أنفسهم مما ينزهونه به . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 75 إلى 78 ] فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) قوله تعالى : * فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ : أقسم اللّه سبحانه بمواقع أنوار نجوم صفاته إذا ظهرت منه ، فتعود إلى معادنها من ذاته سبحات ، منه بدأت وإليه تعود ، فالنجوم صفاته ، ومواقعها ذاته ، لذلك قال : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ : عظم لعظمة جلاله ، وعظم جلاله ، وأيضا أقسم بمواضع نجوم صفاته من أرواح الأنبياء والمرسلين ، والأولياء ، والصديقين إذا تجلّت لها ، وأيضا أقسم بقلوب العارفين أنها مواقع نجوم خطابه ، وأيضا أقسم بمواقع نجوم القرآن من أسرار حبيبه عليه الصلاة والسلام ؛ لأن قلبه مسقط الوحي ، وبيت الخطاب ، وموضع كشف الأسرار ، ومرآة حقائق الأنوار ، أقسم به لعظمة عند اللّه . وفي هذا المعنى قال ابن عطاء : « مواقع النجوم » : هي مواقع ما يظهر على سر النبي صلى اللّه عليه وسلم من أنوار الحق ، وزوائد التحقيق مما خصّ به من الدنو ، أو وقربه والزلف التي لم يؤمر بإظهارها والإخبار عنها ؛ ولذلك قال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ : كلامه القديم إذا بدا في قلبه لا يختلط به هوى الإنسانية ، ولا هواجس النفسانية ، ولا إلقاء الشيطاني ؛ لأن قلبه كان محفوظا بحفظ اللّه ، ورعايته عن الخطرات المذمومة ، والأوهام ، والظنون ، وكلامه محفوظا ؛ لأنه صفته القديمة المنزهة عن التغيير والتبديل ، وصفه بأنه كريم ؛ لأنه وصف الكريم القديم المنبئ عن صفاته الكريمة ، وذاته الأزلي أنزله إلى أكرم خلقه من تخلّق بخلقه يكون كريما في الدارين ، ومن فهم حقائقه يكون إماما في الثقلين . قال بعضهم : « كريم » : لأنه يدل على مكارم الأخلاق ، ومعاني الأمور ، وشرائف الأفعال . وقيل : « كريم » ؛ لنزوله من عند كريم ، بوساطة كريم ، إلى أكرم الخلق طرّا أجمعين . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 79 إلى 84 ] لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 ) أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 ) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) قوله تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أي : لا تنكشف أسراره وأنواره إلا للمقدسين بقدس اللّه عما دون اللّه ، وهم أهل القرآن ، وأهل اللّه وخاصته .