روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
385
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) أي : غير مقطوعة عنهم أثمار أشجار المشاهدة ، وهي ثمرات أنوار الذات ، والصفات التي تثمر في قلوبهم ثمار علم العلم ، وغيب الغيب ، وسر السر إلى الأبد ، وهي غير ممنوعة من رؤوسهم ، وعلمهم ، وإدراكهم أدركوها باللّه من اللّه . قال جعفر : لم يقطع عنهم المعونة والتأييد ، ولو قطع عنهم ذلك لهلكوا ، ولا يمنعون من التلذّذ بمجاورة ، ولو منعوا من ذلك لاستوحشوا . [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 61 ] عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) قوله تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) « 1 » : بيّن اللّه سبحانه أن حقائق الغيوب غير متناهية ، وحقائقها غير مكشوفة للأعداء ، ومن اختاره بالولاية وكحّل عينه بنور العناية ، يطلعه على نوادر الملكوت ، وعجائب الجبروت ، فهذا من كنوز الغيب التي اختار اللّه بها سفرة الأنبياء ، والرسل ، والأولياء ، وأهل الصفوة بقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ، وبقهر القديم منع الأعداء من النظر إلى مكنون السرائر ، فخاطبهم بهذه الآية أنه يخرجهم بمراده الأزلي على لباس مقاديره الأولية ، إمّا بصورة السعادة ، وإمّا بصورة الشقاوة . قال الواسطي في قوله : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) : من أسباب السعادة والشقاوة . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 62 إلى 72 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 )
--> ( 1 ) والحاصل : إن الآية وعد لمتوقع الخير ، ووعيد لفاعل الشر ، واللّه عند حسن ظن عبده به لكن العبد وجب عليه أن يلاحظ قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، فإن عبد الكريم لابد وأن يكون كريما لا لئيما ، ثم في الآية إشارة إلى أن إنشاء المذكور لا يستلزم الاستحالة ؛ وهو قلب الحقائق ، فإن الإنسان لا يصير خنزيرا مثلا أبدا ، وإنما يظهر في صورته ، وكذا لا يصير ملكا وإن كان ظاهرا بصورته ؛ كجبريل في صورة شاب ، أو في صورة دحية ، أو نحو ذلك من الصور الحسنة ، وكذا الجن والمتروحنون ، ومن ذلك الكيمياء فإن الإكسير لا يقلب النحاس ذهبا حقيقة ؛ وإنما يقلب صفة النحاس ، فيظهر في صورة الذهب ، ثم لا يرجع إلى أصله أبدا كما أشار إليه قولهم : لو وصلوا ما رجعوا ، وقد نازع فيه بعضهم من لا خبرة له بحقيقة الحال ، وقس على هذا سائر الاستحالات ؛ فإنها استحالات صورة لا حقيقة ، وإن زعم بعضهم الحقيقة في كل ذلك .