روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

380

عرائس البيان في حقائق القرآن

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 72 إلى 73 ] حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 73 ) قوله تعالى : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 ) : وصف اللّه سبحانه حواري جنانه التي خلقهن لخدمة أوليائه ، وألبسهن لباس نوره ، وأجلسهن على سرير أنسه في جمال قدسه ، وضرب عليهن خيام الدر والياقوت ، ينتظرن أزواجهن من العارفين والمؤمنين المتقين ، لا يطرفن أبصارهن في انتظارهن من مسلك الأولياء من أزواجهن إلى غيرهم ، ثم وصفهن اللّه بأنهن قاصرات الطرف لم يصل إليهن مسّ الأغيار بقوله : [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 74 إلى 77 ] لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 75 ) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ( 76 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 77 ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) ، ثم وصفهن بأنهن خيّرات ، حسان ، نور حسن تجلي الحق يتلألأ من وجوههن من نظر إلى واحدة منهن بحار عقله فيها ، ويغيب قلبه في جمالها ، هي ريحانة الحق ، يستأنس بها العاشقون ؛ لأنها باكورة الجمال ، لها طلعة لو رأتها الشمس ما طلعت ، ولو رآها قضيب البان لم يمس ، يا لها من طيب وصالها ، ويا لها من حسنها وجمالها ، لو تفوح ذرّة من نفحة مسك ذؤابتها في الدنيا لتعطّر العالم بأسره من عطر نسيمها . تضوّع مسكا بطن نعمان إن مشت * به زينب في نسوة عطرات قال الحسين : حارت في رؤيتها الأبصار ، وقاصرات : قصرت عن إدراك وصفها الأفكار لا يترجم عنها لفظ اللسان . قال يحيى بن معاذ : هي التي لا يقدر أحد على حكايتها ، وتعمى عيون المبصرين عن بلوغ حسنها ، كأن ألسنة العشق تنطق بمغيّبات العقول عن وجنتها ، وأنامل الأفراح تضرب بدفوف الفتن في صورتها معشوقة ، لو رآها الخلق لتحيّروا فيها ، هي التي قال اللّه فيها : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ « 1 » . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 78 ] تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 78 )

--> ( 1 ) أي : أسرار حفية محبوسة في خيام القلوب والأرواح ، والأسرار لا يطّلع عليها إلا أهلها ؛ كالنساء اللائي تحت خيام الدنيا لا يظهرن إلا على أزواجهنّ ، وكل من هذين النداءين مستمر إلى آخر الزمان إلا أن النداء قلّ من يجيب له ؛ لأن الأسماع مسدودة ، والأفواه مقفولة ، والقلوب مختومة غالبا ، واقتضت الحكمة الإلهية غلبة أحكام الإمكان على أحكام الوجوب في كل زمان ، فلم يحصل على الحق إلا واحد من الألف ، كما يقتضيه الاسم الأعظم الحاكم على ألف من الأسماء الجمالية والجلالية ، فعليك بالتأمّل في هذا المجلس ، والاعتبار من الشيطان الذي هو مظهر اسم المضلّ في مرتبة الشريعة .