روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

38

عرائس البيان في حقائق القرآن

العدد وصلاح الدار الفانية وأهلها . وقال في قوله : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً في السماء سراج الشمس ونور القمر وفي القلب سراج الإيمان والإقرار بالوحدانية والفردانية والصمدية ، وقمر المعرفة يشرق بأنوار الأزلية والأبدية فيتلألأ نور معرفته وإيمانه على لسانه بالذكر ، وعلى عينيه بالعبر ، وعلى جوارحه بالطاعة والخدمة ، وتلك الأنوار من تمام أولية اللّه للعبد في الأحوال كلها . ثم بيّن سبحانه تخالف الليل والنهار لاعتبار العارفين وموعظة المريدين بقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً جعل تعاقب ليالي الفترة ، وكشوف نهار المشاهدة لزوائد ذكر العارفين وشكر المستأنسين . قال بعضهم : خليفة يخلف أحدهما صاحبه لمن أراد خدمة ربه أو عبادته . ثم وصف سبحانه على الوقار من العارفين والمطمئنين من المتمكنين بقوله سبحانه : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وصفهم بالعبودية خاصة ، ومن العرش إلى الثري ملكه وعبيده أراد بأنهم بلغوا ميادين العبودية بأنوار الربوبية فانسلخوا من كل مراد دون وجه حبيبهم فتصح عبوديتهم ؛ لانقطاعهم عن غيره ، يمشون على الأرض على حد الوقار والهدوء والسكينة إذ على مطايا قلوبهم أثقال أوقار أنوار عظمة الذات وسطوات الصفات . ثم زاد في وصفهم بقوله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) إذا سمعوا غير ذكر اللّه الصافي بنعت الإخلاص والمحبة والشوق ، يقولون للمتكلفين : سَلاماً أي : سلامة من اللّه علينا من مصاحبتكم ومباشرة تكلفكم . قال الجنيد : عباد صفة مهملة ، وعبادي صفة بالحقيقة ، وعباد الرحمن صفة حقيقية بالحقيقة . قال جعفر : يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً بغير فخر ولا رياء ولا خيلاء ولا تبختر بل بتواضع وسكينة ووقار وطمأنينة وحسن خلق وبشر وجه . كما وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم المؤمنين ؛ فقال : « هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد ، وإن أنخته على صخرة استناخ » « 1 » . وذلك لما طالعوا من تعظيم الحق وهيبته ، وشاهدوا من كبريائه وجلاله خشعت لذلك أرواحهم وخضعت نفوسهم وألزمهم ذلك التواضع والتخشع .

--> ( 1 ) رواه البيهقي في « شعب الإيمان » ( 6 / 272 ) ، وابن المبارك في « الزهد » ( 1 / 130 ) .