روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
375
عرائس البيان في حقائق القرآن
العاشق العارف أين هو ؟ فترى الحق ، ويفنى هو في الحق ، ومن ذلك القرب والدنو عبّر الحق بقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، ولكن بين البحرين حاجز امتناع عزة وحدانيته بحيث لا يختلط القدم بالحدث ؛ لأنه منزّه عن الحلول في الأماكن ، والاستقرار في المواطن ، وذلك قوله : بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ أي : برزخ أعظم من تنزيه قدمه من تناول الحدث ، ومع الحدث برزخ الحدوثية ، يحتجب به عن الوصول إلى حقيقة ذاته ، وعيون صفاته ، بل يستمتع بالنظر إلى جماله ، وكشف تجلّي جلاله ، بحر القدم عذب من حيث القدس ، وبحر الحدث ملح من حيث علل الحدوثية ، فلمّا تمرح بها جلاله بنعت التجلي صارت عذبا فراتا ، من حسن مجاورتها : تكون أجاجا دونكم ، فإذا انتهى * إليكم تلقى طيبكم ، فيطيب وما ذاك إلّا حين خبّرت أنّه * يمرّ بواد أنت منه قريب وتصديق هذه المعاني تجليه لجبل الطور ، ومن الشجرة لموسى ، وهناك مقام عين الجمع ، انظر إلى البحرين : بحر الحدث ، وبحر القدم كيف لا يخلتطان ! والحدثان بأسرهما من العرش إلى الثرى كقطرة فانية في قلزم بحار أزليته ، وديمومته يخرج من بحر جلاله جواهر العلوم اللّدنية ، وأسرار الحكمية للعقل والقلب ، وتخرج من بحر الروح جواهر المعرفة ولآلئ المحبة ، وإن كان الكل من بحره خرج ؛ لأن بحره موجد البحار ، وما يخرج من بحر وجوده يكون قديما مثل القرآن ، والأسماء ، والنعوت ، وما يخرج من بحر الروح المالحة بعلة الحدوث ، وما يتعلق بالحدوثية من العلم والمعرفة والفطنة . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 22 إلى 25 ] يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) قال اللّه : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) : وأيضا إذا نزلنا من هذا المقام بحر أذيان المعاني إلى عالم الأماني ، فنقول بالبحرين : بحر القلب والنفس في القلب بحر الأخلاق المحمودة ، والمقامات العلية الشريفة ، ولطائفات المعرفة ، والمحبة ، والنفس بحر الأخلاق المذمومة من الظلم ، والضلالة منبع بحر القلب من عالم لطفه ، ومنبع بحر النفس من عالم قهره ، وهما لا يختلطان أحدهما بالآخر ؛ إذ لا تصير النفس قلبا ، ولا يصير القلب نفسا ؛ لأن بينهم برزخ العقل والعلم والشريعة والطريقة ، ولؤلؤهما ومرجانهما هاهنا الإيمان والإتقان والصفاء والنور والطمأنينة ، فهذه الجواهر تخرج من بحر القلب ، فإذا صارت النفس مطمئنّة فأيضا جواهر بحرها من أضعاف بحر العلوم المجهول ، وهي مواضع الأسرار . قال سهل بن عبد اللّه : أحد البحرين القلب ، فيه أنواع الجواهر ، فيه جوهر الإيمان ،