روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

359

عرائس البيان في حقائق القرآن

ولم يذكر العين ؛ لأن رؤية العين سرّ بينه وبين حبيبه ، ولم يذكر ذلك غيرة عليها ؛ لأن رؤية الفؤاد عامّ ورؤية البصر خاصّ ، أراه جماله عيانا ، فرآه ببصره الذي كان مكحولا بنور ذاته وصفاته ، وبقي في رؤيته بالعيان ما شاء اللّه كان ، فصار جسمه بجميعه أبصارا رحمانية ، فرأى الحق جميعا ، فوصلت الرؤية إلى الفؤاد ، فرأى فؤاده جمال الحق ، ورأى ما رأى بعينه ، ولم يكن بين ما رأى بعينه ، وبين ما رأى بفؤاده فرق ، فأزال الحق الإبهام ، وكشف العيان بقوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى حتى لا يظن الظانّ أن ما رأى الفؤاد ليس كما رأى بصره أي : صدق قلبه فيما رآه من لقائه الذي رأى بصره بالظاهر ؛ إذ كان باطن حبيبه صلى اللّه عليه وسلم هناك ظاهرا ، وظاهره باطنا رآه بجميع شعراته وذرات وجوده ، وليس في رؤية الحق حجاب للعاشق الصادق ، بأنه يغيب عن الرؤية شيء من وجوده ، فبالغ الحق سبحانه في كمال رؤية حبيبه صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « رأيت ربّي بعيني وبقلبي » « 1 » ، رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه . قال سهل : ما كذب الفؤاد ما رأى البصر . وقال : هو في مشاهدة ربه كفاها يبصره بقلبه . قال ابن عطاء : ما اعتقد القلب خلاف ما رآه العين . وقال : ليس كل من رأى مكن فؤاده من إدراكه ؛ إذ العيان قد يظهر فيضرب السر عن حمل الوارد عليه . والرسول صلى اللّه عليه وسلم محمول فيها من فؤاده وعقله وجسمه ونظره ، وهذا يدل على صدق طويته وحمله فيما شوهد به ، ثم أكد اللّه تحقيق رؤية نبيه صلى اللّه عليه وسلم ووبخ منكريها بقوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، ما الرؤية الثانية أقل كشفا من الرؤية الأولى ، وما الرؤية الأولى بأكشف من الرؤية الثانية أين أنت ؟ لو كنت أهلا لقلت لك أنه عليه الصلاة والسلام رأى ربه في لحافه بعد أن رجع من الحضرة أيضا في تلك الساعة ، وما غاب قلبه من تلك الرؤية لمحة ، وما ذكر سبحانه بيان أن ما رأى في الأول في الإمكان ، وما رأى عند سدرة المنتهى كان واحدا لأن ظهوره هناك ظهور القدم والجلال ، وليس ظهوره يتعلق بالمكان ولا بالزمان ؛ إذ القدم منزّه عن المكان والجهات ، كان العبد في مكان والرب فيما لامكان ، وهذا غاية كمال تنزيهه وعظيم لطفه ؛ إذ يتجلى من نفسه لقلب عبده ، وهو في لامكان والعبد في مكان ، والعقل هاهنا مضمحلّ ، والعلم متلاش ، والأفهام عاجزة ، والأوهام متحيرة ، والقلوب وآلهة ، والأرواح حائرة ، والأسرار فانية ، وفي هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه عليه

--> ( 1 ) هو من الأحاديث التي ذكرها المصنف في كتبه .