روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

347

عرائس البيان في حقائق القرآن

وما روى عنه في خبر عائشة - رضي اللّه عنها - : « أعوذ بك منك » « 1 » ، فهذا غاية الفرار منه إليه . قال الواسطي : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ معناه لما سبق لهم من اللّه لا إلى علمهم ، وحركاتهم وأنفسهم كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أعوذ بك منك » « 2 » . سئل بعضهم عن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم وسلم : « سافروا تصحّوا » ؟ قال : إلينا تجدونا في أول قدم ، ثم قرأ : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ « 3 » . قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ : فتول عنهم بسرك إلينا ، فما أنت بملوم في إبلاغ رسالتك وإشغافك بالظاهر بهم وبإعلامهم بأسباب نجاتهم ، فأنت مستقيم ، لا يحجبك إبلاغ الرسالة عن شهود العين . قال الواسطي : ردهم إلى ما سبق عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة ، وأسقط الملامة عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم لما نصح وجهد وعانى بقوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ، فلما أمر أن يتولى عن الأعداء أمر أن يقبل على طلاب مشاهدته من العارفين ، ويجدد بقوله سوابق ما أنعم اللّه عليهم من التوحيد والمعرفة بقوله : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي : ذكرهم جمالي وجلالي وحسن اصطناعي وقربي منهم ، وما خصصتهم من سني الدرجات ورفيع المقامات ؛ فإن ذكرك ينفع لهيب فؤادهم ولوعة قلوبهم وأشواق أرواحهم . قال جعفر الصادق : يعني يا محمد ذكّر عبادي جنودي وكرمي وآلائي ونعمائي وما سبق لهم من رحمتي لأمتك خاصة ، والذكرى التي تنفع المؤمنين ذكر اللّه العباد وما سبق من العناية القديمة بالإيمان والمعرفة والتوفيق للطاعة والعصمة عن المعاصي . قال الأستاذ : ذكّر المطيعين جزيل ثوابي ، وذكّر العارفين ما صرفت عنهم من بلائي . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 56 إلى 57 ] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ : في هذه الآية إشارة عجيبة ، وهو أنه تعالى إذا أراد خلق الجن والإنس أبرز من عيون الربوبية عينا ، فأوجدهم برؤية العين ،

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) رواه أحمد ( 2 / 380 ) بأوله فقط .