روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
330
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال جعفر : الكريم هو المتقي على الحقيقة ، والمتقي المنقطع عن الأكوان إلى اللّه . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 14 إلى 16 ] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 ) قوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا : الإسلام ظاهر العبودية ، والإيمان مشاهدة الربوبية ، ومحله القلب ، بقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ، والإسلام الحقيقي بنعت الخضوع ، واستعمال الأمر لا ينفكّ من الإيمان ؛ فإن أصله الإيمان ، وهو متولد منه ، أمّا ما يكون بالتقليد والأعراض فهو أوصاف أهل النفاق . قال سهل : ليس في الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ، والمسلم محبوب إلى الخلق ، والمؤمن غنيّ عن الخلق . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 17 إلى 18 ] يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) قوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ : نفى اللّه - سبحانه - المنة عن الحدثان ؛ إذ لا يصلح أن يكون لأحد قدرة بإنشاء شيء من نفسه ، فإذا بيّن ذلك صرف المنة إلى نفسه بأن له المنة الأزلية ، حيث أوجد الخلق بلا علة ، بل فضلا ورحمة منه ، فمن أقبل إليه يرجع نفعه إليه ؛ لأن ساحة الكبرياء منزّهة عن علل الخليقة ، والعجب أن يكون الحدث محل منته القديمة ومنته لا يحتمل غيره . قال الواسطي : لفظة المنة في محل التلبيس ؛ لأن العباد إن لم تصحبهم رؤية المنة هلكوا ؛ ولأن رؤية المنة حجاب كبير ، وفي رؤية المنة استدراج عظيم ، وكيف وهو لا يمنّ على أحد يعرفه ، وإنما المنّ على من حجبه ذكر المنن جواب في الحقيقة لمن منّ عليه ، ألا ترى إلى قوله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ ، وفي كرمه لا يجوز المنة على أحد من النّاس ؛ إذ المنة تقع على من هو خارج من ملكه ، فالمن على [ شيء ] يستحيل ، وما علمت أن الكريم في الحقيقة لا يمنّ لا سيما إذا كان الممتن عليه من خدمه .