روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

327

عرائس البيان في حقائق القرآن

قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات الأعلى والخير في الأولى والعقبى ، ألا ترى اللّه بقوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا إلخ . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) قوله تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ : جعل قلوبكم مستعدة لقبول معرفته ، ثم قذف فيها أنوار قربه ، وزيّنها بنقوش محبته ، زيّن عروس التوحيد بزينة المشاهدة في أعين أزواجهم ، وجذبها به إلى بساتين الغيب ، حتى رأوا لطائف بره وعجائب ملكه وملكوته ، ثم منّ عليهم بأن بغضهم العصيان والفسوق بتكريهه إليهم ، كما أنه حببهم أعمال الإيمان بتحبيبه إليهم بغير علة ولا سبب بل فضلا ومنّة ؛ حيث أرشدهم إلى نفسه ، وحبّب إليهم قربه ووصاله بقوله : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) . قال سهل : حبّب إليكم العمل بأوامر الإيمان ، وزيّن في قلوبكم تلك الأوامر ، ثم زاد في تأكيد ما ذكرنا أن ذلك الرشد وحب الإيمان فضل منه وكرم بقوله : فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً : فضله اصطفائيتهم في الأزل ، ونعمته قربه ومعرفته . قال سهل : بفضل اللّه عليهم فيما ابتدأهم به ، وهداهم إليه من أنواع القرب والزلفى . قال الواسطي : المؤمن يكره العصيان ، ولكن يغيب عن شاهده ؛ ليغلب عليه شواهد شهوته ، فيأتيها ، وذلك إنفاذ قضيته وتنبيه على ضعفه . قوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما : إشارة الحقيقة في الآية أن وقائع الغيب عند كشوفها في صدور الأولياء على خلاف مذاق الروح والقلب والعقل والسر ؛ لوجود إتيانها من الغيب بالبديهة ، فبعضها للروح ، وبعضها للسر ، وبعضها للعقل ، وبعضها للقلب فما وقع في السر فهو أعظم مما وقع على الروح ، وما وقع على الروح أعظم مما وقع على القلب ، وما وقع على القلب أعظم مما وقع على العقل ؛ لأن واقعة السر