روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

326

عرائس البيان في حقائق القرآن

سره لحظة عن السير في ميادين الأزل والأبد « 1 » ، فخوّفهم من ذلك ؛ فإن تشويش خاطره صلى اللّه عليه وسلم سبب بطلان أعمالكم : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ، فإن من العرش إلى الثرى لا يزن عند خاطره ذرة ، واجتماع خاطر الأنبياء والأولياء لمحة أحبّ إلى اللّه من أعمال الثقلين ، وفيه حفظ حرمة رسول اللّه ، وتأديب المريدين بين يدي أولياء اللّه . قال ابن عطاء : زجر عن الأذى ؛ لئلا يتخطى أحد إلى ما فوقه من ترك الحرمة . وقال سهل : لا تخاطبوه إلا مستفهمين . قال الأستاذ : أمرهم بحفظ حرمته ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته ، ثم وصف اللّه المتأدبين بآداب اللّه أنهم أهل التقوى الذي هو نور من اللّه في قلوبهم ، فقدّس سرائرهم من العجب والخطرات المذمومة ، وأنهم ينظرون بذلك النور عظم حرمات حبيبه صلى اللّه عليه وسلم ، وما شرفه اللّه به من المنازل السنية والدرجات العلية ، بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، ثم بيّن أن لهم مغفرة بأنهم مستورون عن أعين الشياطين ، محفوظون من مكائدهم بما منّ اللّه عليهم من رعايته وعنايته ، وكشف مشاهدته بقوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) . قال الحسين : من امتحن اللّه قلبه بالتقوى كان شعاره القرآن ، ودثاره الإيمان ، وسراجه التفكر ، وطيبه التقوى ، وطهارته التوبة ، ونظافته الحلال ، وزينته الورع ، وعلمه الآخرة ، وشغله باللّه ، ومقامه مع اللّه ، وصومه إلى الممات ، وإفطاره من الجنة ، وجمعه الحسنات وكثرة الإخلاص ، وصمته المراقبة ونظره المشاهدة . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ : شكا اللّه عن ترك آداب بعضهم في صحبة رسوله ، وبيّن أن الصبر في حفظ حرمته سبب نيل درجاتهم في الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بعد النهي عن التجاوز في نفس القول والفعل ، وإعادة النداء مع قرب العهد ؛ للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه ، والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه ؛ أي : لا تبلغوا بأصواتكم وراء حدّ يبلغه صوته صلى اللّه عليه وسلم ، بل يكون كلامه عاليا لكلامكم ، وجهره باهرا لجهركم ، حتى تكون مزيّته عليكم لائحة ، وسابقته لديكم واضحة . البحر المديد ( 6 / 101 ) .