روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
323
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ : كان بنفسه أبلغ الهداية للخلق ؛ فإنه مصارف آياته وبرهانه . قال اللّه : وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، ومعه نور الصفة ؛ لأنه كان قلبه مشكاة نور القرآن ، قال اللّه : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ، وقال : نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ، ودينه بيان معرفة اللّه والآداب في حضرته ، وبهذه الصفة شهد اللّه أنه أرسله بهذه الأوصاف ، وأثبت رسالته بشهادته بقوله : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 28 ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ « 1 » : شهادته أزلية شهد على اصطفائيته في الأزل ، ثم وصف أصحابه وأحبائه ومتابعيه إلى يوم القيامة باختصاصات شريفة وأخلاق كريمة وعلامات صحيحة وآداب جميلة بقوله : وَالَّذِينَ مَعَهُ أي : معه في الأزل باصطفائية الولاية بنعت الأرواح ، لا برسم الأشباح ، ومن خاصية صفتهم أنهم أهل الهيبة والغلبة على أعداء اللّه والرحمة والكرم مع أولياء اللّه ، قال اللّه : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ : ثم زاد في وصفهم بقوله : تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً : راكعين على بساط العبودية من رؤية أنوار العظمة ، ساجدين على بساط الحرمة من رؤية الجمال ، يطلبون مزيد كشف الذات ، والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بغير العتاب والحجاب ، وهذا محل الرضوان الأكبر بقوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، ثم وصف وجوههم أن يتلألأ منها أنوار مشاهدته التي انكشفت لهم في السجود حين خضعوا في ملكوته من رؤية عظائم جبروته
--> ( 1 ) واعلم أنه قد اجتمع حروف المعجم التسعة والعشرون في كل من الآيتين المذكورتين ، وأول الحروف في الآية الأولى : الثاء المثلثة في ثم ، وآخرها : الصاد المهملة في صدوركم ، وأولها في الثانية : الميم في محمد ، وآخرها : الصاد أيضا في الصالحات ، وليس في القرآن آية حوت الحروف كلها غيرهما ، ومن دعا اللّه تعالى بهما ؛ استجيب له . والمراد : من قرأهما ، ودعا عندهما ؛ استجيب له ؛ لأنهما لجمعهما الحروف كلها ؛ كانت بمنزلة القرآن كله ، وقد صحّ أن الدعاء مستجاب ، مستجاب عند ختم القرآن ، ولمّا كانت هذه الحروف مما أنزله اللّه تعالى على آدم عليه السّلام ، وكان آدم قد تكلّم بسبعمائة ألف لغة على ما جاء في بعض الروايات : كان من تكلّم بتلك الحروف ؛ كمن تكلّم بتلك اللغات كلها ؛ لأن كلّا منها مشتملة على تلك الحروف ، وقد ضم إليها الحروف الأربعة الفارسية التي هي : الباء ، والجيم ، والزاي ، والكاف المعجمة التي تكلّم بها بعض القبائل ؛ ولذا كانت اللغة الفارسية ملحقة باللغة العربية ؛ فجعلت كل منهما لسان أهل الجنة .