روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

320

عرائس البيان في حقائق القرآن

كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « للقرآن ظهر وبطن وحدّ ومطلع » « 1 » ، إن الأعمى ههنا من طمسته سبحات وجهه حين عاين لقلبه وروحه ظهر عماه ، إذ لا يرى غير اللّه ، وعماه الحقيقي ألا يطيق أن ينظر بطون الأزل والغيب وغيب الغيب ، وهذا سرّ قوله عليه الصلاة والسلام في وصف جمال الحق : « حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 2 » ، فجعله معذورا ألا يدرك حق الحقيقة وحقيقة الحق ؛ إذ يستحيل أن يحيط الحدث بالقدم ، وإن كان واجبا معرفة الكل من حيث الحقوق لا من حيث التوحيد ، وأيضا هو معذور باستعمال الرخص والدخول في الرفاهية ، والأعرج من عرج سره وروحه من السير في ميادين الأزلية والأبدية ؛ إذ كان عرجا بضرب سيوف الوحدة ووصول إعجاز القهريات ، أي : هو معذور حين جلس على بساط الأنس ، ولم يسر في ميادين القدس ، فإن هناك طوفان الكبرياء وسطوات العظمة والبقاء ، وهذا الأعرج معذور ؛ إذ لم يأت من مقام المشاهدة إلى مقام المجاهدة ، والمريض هو الذي أسقمته محبة مشاهدته ورؤية جماله ، فهو معذور ؛ إذ باشر الروحانيات مثل السماع واستعمال الطيب والنظر إلى المستحسنات ، فإن مداواته تكون أيضا من قبيل العشق والمحبة ؛ لأن العشق أمرضه ، فأيضا يداويه بالعشق كما قيل : تداويت من ليلى بليلي من الهوى * كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فهؤلاء أهل المشاهدات لا أهل المجاهدات والرسومات . قال الأستاذ : من كان له عذر في المجاهدة مع النفس ؛ فإن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه . [ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 18 إلى 24 ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 19 ) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 20 ) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 22 ) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 23 ) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 24 )

--> ( 1 ) رواه ابن المبارك في الزهد ( 1 / 23 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه .