روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

316

عرائس البيان في حقائق القرآن

هذه المعرفة زيادة عن المعرفة الأولى ما غاب عن العيان بما شاهدت القلوب بالإيقان . وقال سهل : هي نور اليقين ، يسلكون به إلى عين اليقين ، وعين اليقين هي التي تدل على الحقائق ، وهي حق اليقين . وقال بعضهم : السكينة يقذفها اللّه في قلوب أوليائه يسكن به نفس أوليائه عن المعارضات . قال الأستاذ : السكينة ما يسكن إليه القلب من البصائر والحجج ، فيرتقي القلب بوجوده عن حد الفكرة والسير إلى روح اليقين ، وتلج الفؤاد ، فتصير العلوم ضرورية ، هذا للخواصّ ، وأما عوام المؤمنين المراد منه السكون والطمأنينة واليقين . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 7 ] وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 7 ) وقوله تعالى : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : جنوده‌هم سماوات أرواح العارفين وقصور أرض قلوب المحبين ، وأنفاسهم جنوده ، تنتقم بنفس منهم من جميع أعدائه فيقهرهم ، وذلك أن واحدا منهم يضيق صدره من أعداء اللّه ، فبان أنه يحترق بها أهل الضلالة ، ألا ترى كيف قال سكران الطور حين دعا على الكفرة : « ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم » « 1 » ، فصاروا حجارة محماة ، وكيف قال سيد البريات في وجوه الكفرة حين قال : « شاهت وجوههم ، فانهزموا » « 2 » بإذن اللّه ، وكذا حال كل صديق مع اللّه ، يوقع نيران الهلاك بين الضلال بنفس واحد ، فيهلكوا بأقل من لمحة ، كما دعا نوح على قومه ، فقال : لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، فهلك به أهل الأرض جميعا إلا من آمن ، وكل ذرة من العرش إلى الثرى جنوده ، حتى لو سلط نملة على حية عظيمة لتدمر عنها ، ولو سلط بعوضة على الأكوان جميعا لخربتها بقوة اللّه ، ألا ترى كيف قال عليه السّلام : « للّه جنود منها إليك » « 3 » ، وهذا محل الانفراد باللّه والتوكل على اللّه ؛ فإنه عون كل ضعيف وحسب كل عاجز . قال سهل : جنوده مختلفة ؛ فجنوده في السماء الملائكة ، وجنوده في الأرض الغزاة ، وأيضا جنوده في السماوات الأنبياء ، وفي الأرض الأولياء ، وأيضا جنوده في السماوات القلوب ، وفي الأرض النفوس .

--> ( 1 ) رواه الطبري في التفسير ( 11 / 157 ) . ( 2 ) رواه الطبري في التفسير ( 10 / 100 ) . ( 3 ) هو من الأحاديث التي تفرد المصنف بذكرها في كتبه .