روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

314

عرائس البيان في حقائق القرآن

الاتصاف والاتحاد حتى تسير الربوبية في ركاب حيزوم القدم في ميادين الأزل إلى الأبد بنعت التوحيد والتجريد والتفريد ، وذلك تمام نعمته التي عليه أخبرنا الحق عنها بقوله : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، ثم بيّن أنه يهديه إلى طريق مشيئة الأزل المستقيمة بالإرادة والوحدانية ، وذلك الطريق ما يسلك فيه عساكر جنود أنوار التجلي والتدلي بقوله : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) ، ذلك الصراط للحق لا للخلق ؛ لأن الحادث لا يسلك في القدم ، أقامه الحق على رأس ذلك الطريق ، وكان لا يعرف أين يسلك حتى بدت أنوار بريد تجلي القدم الذي استقبله ، فهداه إلى مسالك الديمومية ، فأذهب به الحق إلى معارج دنوه ، وذلك ما أنبأنا اللّه من سيره من الحدث إلى القدم بقوله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ، فإذا وصل إلى قلب عساكر الواحدنية وغلبت عليه سطوات جنود الفطنة استغاث منه إليه ؛ حيث قال : « أعوذ بك منك » « 1 » ، فلبسه اللّه أنوار ربوبيته ، وأيّده بقوته الأزلية حتى استقام بالحق في الحق ، فأخرج الحق جنود رحمته الباقية ، فقوّاه بها ، وسكن بها قهر القدم بقوله : « سبقت رحمتي غضبي » « 2 » ، وذلك قوله : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً . قال ابن عطاء : جمع اللّه للنبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية من نعم مختلفة : بين الفتح المبين وهو من أعلام الإجابة ، والمغفرة وهي من أعلام المحبة ، وتمام النعمة وهي من أعلام الاختصاص ، والهداية وهي من التحقق بالحق ، والنصر وهو من أعلام الولاية ، والمغفرة تبرئة من العيوب ، وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة من الحق ، والهداية هي الدعوة إلى المشاهدة ، والنصرة هي رؤية الكل من الحق من غير أن يرجع إلى سواه . وقال الواسطي : فتح عين رسوله صلى اللّه عليه وسلم لمشاهدته في المسرى ، وفتح سمعه لفهم كلامه كفاحا بعد أن قوّاه لذلك وأكرمه به . وقال ابن عطاء : كشف ذنوب الأنبياء عليهم السّلام ، ونادى عليه ، وستر ذنوب النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ . قال أبو يزيد في قوله : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) : هو السبيل إلى قربه ليلة المعراج ؛ حيث تأخر جبريل عليه السّلام ، ولم يكن ذلك محله ، فهدى الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى السبيل الحق ، وهو الصراط المستقيم .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2745 ) ، ومسلم ( 4 / 2108 ) .