روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

301

عرائس البيان في حقائق القرآن

موارد الهيبة . قال اللّه تعالى : فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا . قال النصرآبادي : هيبة المشاهدة إذا طالعت السرائر بحقائقها أخرست الألسن عن النطق في ذلك المشهد ، كالجن لما حضروا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأراد أن يقرأ عليهم أوصى بعضهم بعضا بالإنصات ، فلما حضروا قالوا أنصتوا . وقال الواسطي : شاهدوا عز الربوبية ظاهرا في أوصاف البشرية أخرسهم المشهد لشدة الهيبة . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 30 ] قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) قوله تعالى : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ : يرشد إلى مشاهدة الحق ، وإلى طريق معرفته بنعت الخروج عما دون اللّه ، القرآن صفة الحق ، وصفته تدل على ذاته ، ترشد ظواهره إلى بواطنه ، وبواطنه إلى مصادره الأزلية الأبدية . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 31 إلى 34 ] يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) قوله تعالى : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ « 1 » : أخبر اللّه عن مقالة كبراء الجن وعلمائهم لمريديهم أي : سمعتم بآذان الأرواح والأسرار مناداة الأزل قبل الكون ،

--> ( 1 ) إنما اقتصر على مغفرة الذنوب ، والإجارة من العذاب ، وطوى ذكر إدخال الجنات ، والإثابة بالنعيم ؛ لأنه كقوله تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ [ المدثر : 2 ] ، وذلك لا يقتضي ألا يكون للجن نعيم ورؤية ، فإن أول الدعوة الإنذار للنجاة من النار ، ثم التبشير للفوز بالنعيم ، كما هو مقتضى الإيمان . ودخل في النعيم الرؤية ؛ لأنها أعلى النعيم الإلهية ؛ ولذا ورد : « وأسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم » . حيث أثبت اللذّة للنظر ؛ لأن الرؤية من اللذات المعنوية ، والنعم الروحانية ، فظهر من هذا أن المؤمنين من الجن ؛ كالمؤمنين من الإنس في الإجارة والإثابة ؛ لأن كلّا منهم داخلون تحت التكلّف والدعوة ، فمشاركتهم في ذلك تقتضي مشاركتهم في النعيم مطلقا .