روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
298
عرائس البيان في حقائق القرآن
ومشاهدته ، وما أعلم ما حكم في الأزل علىّ ولا عليكم ؛ فإنه شاهد القلوب وعلام الغيوب ، أوجد من العدم بنور القدم ، ولا أدري أين استغرق في بحار وصال جماله الأبدي ، فهناك لجج تغيب في ذرة منها جميع الأرواح العاشقة والأسرار الوالهة والقلوب الحائرة ، وما أدري كيف يفعل بكم فيما جرى من السعادة والشقاوة في الأزل ؛ فإن علم العواقب عنده ، لا يطّلع عليه ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ؛ لأنه من علم ما استأثره لنفسه خاصة ، وليس لأحد منه نصيب إلا لمن أظهر له شيئا منه ، كقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . قال سهل : ما كنت عجيبا في المرسلين ؛ فإني لم أدعوكم إلا إلى التوحيد ، ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق ، وبهذا بعث الأنبياء وصلى اللّه عليه وسلم قبل . قال الواسطي في قوله : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ : إن اللّه تعالى ستر أمر الروح على جميع خلقه ، وستر ماهيته ذاته ، وستر ما يعامل به الخلق عند معاينته فقال : وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 13 إلى 14 ] إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 ) قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا : ما قال القوم هذا القول حتى شاهدوا بقلوبهم وعقولهم وأرواحهم وأسرارهم مشاهدة الحق سبحانه ، فإذا رأوه قالوا : رَبُّنَا اللَّهُ ، كطلاب الهلال سكتوا في طلبه ، فإذا رأوه يقولون : هذا الهلال ، وصاحوا ، وصفقوا ، وضحكوا لهذا القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم ، فلما رأوه أحبوه ، وعرفوه ، وشربوا من بحار وصاله وجماله وجلاله شربات المحبة والشوق ، وتمكنوا شربها حتى استقاموا بقوتها في موازاة رؤية أنوار الآزال والآباد ، واستقاموا في مراد اللّه منهم ، وأداء حقائق عبوديته ، فلا يتبقى عليهم خوف الحجاب ولا حزن العتاب ، قال اللّه تعالى : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) . قال ابن طاهر : استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد ، فلم يروا سواه منعما ، ولا شكروا سواه في حال ، ولا رجعوا إلى غيره ، وثبتوا معه على منهاج الاستقامة . وقال جعفر : استقاموا مع اللّه بحركات القلوب مع مشاهدات التوحيد . وقال بعضهم : أفردوا اللّه بالملك والربوبية والقدرة ، واستقاموا على هذه الشروط ، فلم يخالفوه .