روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
290
عرائس البيان في حقائق القرآن
جعل المؤمنين بعضهم في بعض شفعاء . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 51 إلى 55 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 ) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ( 53 ) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ « 1 » أي : إن المفردين عن الأكوان وما فيها بنعت التجريد والتوحيد والتبري من غير اللّه واستحسانه في محبة اللّه بعين الرغبة فيه هم في مقام وصلة الحق ، حين لا يجري عليهم اضطراب الفراق ، ولا يحجبهم غير الحق في مقام الأشواق ، آمنين منه به حين ألبسهم أنوار كماله وجلاله وجماله . قال جعفر الصادق : كانوا في الدنيا على خوف العذاب ووجل الفراق وذلك مقام المتقين في الدنيا ، فأورثهم ذلك أمانا وأمنا أن يسلب ذلك منهم . وقال أيضا : المقام الأمين وصلة الجبار . وقال بعضهم : المقام الأمين مجالسة الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 56 إلى 57 ] لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 56 ) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى : افهم يا فهم لو تدرك حقائق أمور المعارف لا تتهمني بالجهل فيما أقول لك ؛ فإن الموت الأصلي هو العدم ، وكيف يموت من أوجده الحق بنور القدم ، الموتة الأولى هي عدمهم قبل وجودهم ، فبعد الوجود لا يكون القدم بالحقيقة ، إنما يجري عليهم أطوار فنون امتحانات الحق كالذهب ساعة في طين ، وساعة في نار ، وساعة في بوتقة ، وساعة في سواد ، وساعة في بياض حتى يعود إلى ما خرج من المعدن ، فأطوار الخليقة إلى الأبد في تقلبها بقاء في بقاء ، وكيف يفنى بالحقيقة من أوجده الحق من مكمن الغيب إلى قضاء ربوبيته ، فإذا أحضرهم في ساحة كبريائه ويتجلى لهم بالبداهة من عين الجبارية والقهارية يكونون في محل الفناء وفي فناء الفناء من عليات سطوات ألوهيته ، فإذا صاروا فانين ألبسهم اللّه لباس بقائه ؛ فيبقون ببقائه أبد الآبدين ، فإذا الاستثناء وقع على
--> ( 1 ) لما ذكر وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال : « إن المتّقين » قال أهل السنة : كل من اتقى الشرك صدق عليه أنه متق ، فوجب أن يدخل الفساق هذا الوعد فقال : ( في مقام أمين ) وقرأ أهل المدينة والشام بضمّ ميم « مقام » على المصدر ، أي في إقامة وقرأ الباقون فتح الميم أي في مجلس أمنين آمنوا فيه من الغير . تفسير ابن عادل ( 14 / 176 ) .