روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
288
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ : أخبر اللّه سبحانه بهذه الآية أن المفارقة من الأضداد واجبة . قيل : إن بعض أصحاب الجنيد وقع له إنكار عليه في مسألة جرت له معه ؛ فبكّر إليه ليعارضه فيها ، فلما دخل على الجنيد نظر إليه وقال : يا فلان وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 24 إلى 28 ] وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) قوله تعالى : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ : خاطب اللّه موسى بأن يرفع تقاضي سره حقائق المقادير ولا يتفحص ، ولا يغوص في بحار الربوبية ، حتى لا يستغرق بنعت الفناء في قلزم العدم ، ولا يخرج منه أبدا إلى سواحل النبوة ؛ فإن بحار الألوهية لو تكون متلاطمة يستغرق فيها الأولون والآخرون أي : لا تشوشها حتى تغرق المدعين بالربوبية والسلطنة في أول بواديات بحار القهريات . قال سهل : أي : اجعل قلبك ساكنا في تدبيري ، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ أي : فإن المخالفين قد غرقوا في التدبير . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 29 إلى 31 ] فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) قوله تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ : كيف تبكي السماء والأرض على من يدّعي الأنائية في ساحة كبرياء الأزل ، والسماوات والأرضون في عظمها تصير هناك أقل من خردلة من هيبة عزة جبروته وملكوته ، فغارت عليهم السماوات والأرض ؛ إذ ادّعوا ما ليس لهم في أمر الربوبية ، وهي تبكي على العارفين الذين لا يجترئون أن يصفوا معروفهم بجميع الألسنة حياء منه ، إذا فارقوا من الدنيا تبكي السماوات والأرض بمفارقتهم حين لا تصعد عليهم أنوار أنفاسهم ولا يجري عليها بركات آثارهم كما روي في الحديث أن : « السماء والأرض تبكي بموت العلماء » « 1 » . قال بعضهم : كيف تبكي السماء على من لم يصعد إليه منه طاعة ؟ ! وكيف تبكي الأرض على من يعصي اللّه عليها ؟ ! معناه ما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ، ولا مواضع عبادتهم من الأرض .
--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في التفسير ( 4 / 143 ) بنحوه .