روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
285
عرائس البيان في حقائق القرآن
وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، ذكر غلبة قهره على السماوات والأرض والعرش والكرسي ، حتى عرفوا أن ما يرون من أعظم الخلق يكون عاجزا في خضوعه لسلطانه كيف يليق به ما تصف الكفرة ، نزّه نفسه عن ذلك بقوله : سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، منزّه عمّا وصف به الموحدون والعارفون ، فكيف عما وصف به الجاهلون . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ : عظّم أقدار العارفين بهذه الآية ؛ حيث شاهدوا جلاله وجماله بأرواحهم وقلوبهم وأسرارهم وعقولهم ، وهم يخبرون حقائقها بألسنة عجيبة ربّانية إلهامية ، يصفون الحق بها بما يليق بوحدانيته ، وهم يعرفونه بما عرفهم نفسه تعالى ، ولولا قول اللّه سبحانه في وصفهم بهذه الحالة وما وصفهم بالعلم به لعجبت من الحدثان كيف شاهدوا حق الحقيقة وكيف عرفوا حقيقة الحق . قال الصادق : هم يعلمون أن الحق غير موصوف بصفات الخلق ، أقرّوا باللسان بوحدانيته ، وآمنوا بقلوبهم ، وعملوا ما أقرّوا به ، وعملوا لمن أقرّوا له بالربوبية علما بأنه لا يستحق العبودية سواه . قوله تعالى : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ : أمر اللّه سبحانه حبيبه صلى اللّه عليه وسلم بالصفح عن الجاهلين بأن يعذرهم من حيث جهلهم باللّه ، ومن حيث إنه قهرهم وطردهم ، وبأنهم يعرفون خصائصه ، ومعنى قوله : وَقُلْ سَلامٌ أي : لاطفهم في دعوتك إياهم إليّ ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قدرك بعد أن أعرفهم منازلك بتوفيقي لهم ، لعل فيض كرمي يدركهم ، وهذا تأديب لدعاة الخلق إلى الحق . قال ابن عطاء : أعذرهم في جهلهم بحقك ، وتركهم لحرماتك ، وسلّم عليهم ؛ ليسلموا من توابع البلاء . سورة الدخان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ( 3 ) حم : الحاء الوحي الخاص إلى محمد ، والميم محمد عليه السّلام ، وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبر من سرّ في سرّ ، لا يطّلع على ذلك السر الذي بين المحب والمحبوب أحد من خلق اللّه ، ألا ترى كيف قال سبحانه : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، وذلك إشارة إلى وحي السر