روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
277
عرائس البيان في حقائق القرآن
موقع نظر جماله وجلاله وكشف وصاله وتجرد من غيره في خلته ومحبته وخدمته وأفرده بتوحيده عن غيره جعل اللّه توحيده كلمته العليا الشجرة الثابتة ، أصلها في أرض قلبه ، وفرعها إلى سماء الأبد ، وثمرها الرسل والأنبياء والأولياء ، وأشهى ثمرها محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبقي ذلك التوحيد في قلوب أمته إلى يوم ورودهم على موارد المشاهدة الكبرى . قال سهل : هي التوحيد في ذريته إلى يوم القيامة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 31 إلى 35 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) قوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ : جهلوا العظمة ، وظنوا أن العظيم من هو له غنى وقوة نفسانية ، ولو يعلموا أن العظيم هو من عظّمه اللّه بعظمته ، وكساه أنوار سلطانه وبرهانه ، وهو المصطفى صلى اللّه عليه وسلم أنه عظّم قدره في الدارين بقدر اللّه ، وخصّه بما قسم له في الأزل بالرسالة والنبوة والشرف والكرامة ، ووبّخهم اللّه بما تمنوا في القسمة بقوله : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ : جعل معيشة البعض إرادة ، وجعل معيشة البعض علما وخدمة ، وجعل معيشة البعض إيمانا وصدقا ، وجعل معيشة البعض توبة وإنابة ، وجعل معيشة البعض محبّة وشوقا وعشقا ، وجعل معيشة البعض معرفة وتوحيدا ، وجعل معيشة السالكين الفراسات ، وجعل معيشة الزاهدين الكرامات ، وجعل معيشة العارفين تراكم الواردات ، وجعل معيشة الفقراء القناعة والتوكل والرضا والتسليم ، هذا للمقبلين إليه ، وللمدبرين عنه الغيّ والضلالة والجهل والغباوة والدنيا الكثيرة الشاغلة عن اللّه ، وهم أيضا في ذلك متفاوتون ؛ فبعضهم أعلى من بعض بالمعرفة ، وبعضهم أعلى من بعض بالمشاهدة ، وبعضهم أعلى من بعض في المكاشفة ، وبعضهم أعلى من بعض في المحبة ، وكذلك في جميع المقامات ، كما فضّل بعض أصحاب الدنيا في الرزق والمعيشة . قال الواسطي في قوله : نَحْنُ قَسَمْنا : رزق قوما حلالا ومدحهم عليه ، وقوما شبهة وذمّهم عليه ، وقوما حراما وعاقبهم عليه ، موسرا بالحرام المحض ولم يلمه عليه ، قال