روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

275

عرائس البيان في حقائق القرآن

حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) أي : بحياتي منك وحياتك بحياتي ، ومحبتي لك ومحبتك لي ، وبهذا الكتاب المبارك الظاهر بنوره وبرهانه في صدرك ولسانك ، وصدور العارفين المبرهن بيانه للمؤمنين ، المبين لطائفه لقلوب الصديقين ، إن هذا القرآن أنزلته على قلبك ، وبلسانك الفصيح ؛ ليعرفه كل مؤمن صادق ، ويعقل به طريق العبودية وحقوق الربوبية . قال سهل : بيّن فيه الهدى من الضلالة ، والخير من الشرّ ، وبيّن فيه سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء . قال الأستاذ : الحاء يدل على حياته ، والميم على مجده ، وهذا قسم ، ومعناه : وحياتي وملكي وهذا القرآن المبين إن الذي أخبرت أن رحمتي لعبادي المؤمنين حقّ وصدق ، ثم وصف القرآن بأنه ليس بمخلوق ، وأنه صفته الأزلية التي هي قائمة بذاته أزلا وأبدا بقوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أي : إنه صفتي ، كان في ذاتي منزّها عن التغاير والافتراق ؛ إذ هما من صفات الحدث ، وأم الكتاب عبارة عن ذات القدم ؛ لأنه أصل جميع الصفات لدينا ، معناه ما ذكرنا أنه في أم الكتاب لعليّ ، علا من أن يدركه أحد بالحقيقة ، ممتنع من انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، حكيم محكم مبين . قال سهل : أم الكتب هو اللوح المحفوظ أي : رفيع مستول على سائر الكتب . قال جعفر : عليّ عن درك العباد وما يتوهمون ، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 13 ] لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) « 1 » . قوله تعالى : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ : أجلّ نعمة اللّه على

--> ( 1 ) أي : مطيعين ، وكم سخّر لهم الفلك في البحر ، والدوابّ للركوب ، وأعظم عليهم المنة بذلك فكذلك سهّل للمؤمنين مركب التوفيق فحملهم عليه إلى بساط الطاعة ، وسهّل للمريدين مركب الإرادة فحملهم عليه إلى عرصات الجود ، وسهّل للعارفين مركب الهمم فأناخوا بعقوة العزّة وعند ذلك محطّ الكافة ؛ إذ لم تخرق سرادفات العزّة همّة مخلوق سواء كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا أو وليّا مكرّما فعند سطوات العزّة يتلاشى كلّ مخلوق ، ويقف وراءها كلّ محدث مسبوق ، القشيري ( 7 / 210 ) .