روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

27

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ تقاصرت أبصارهم عن معاني جوهره الذي هو حامل أثقال أنوار كشف الأزل والأبد ، وهو روحه الذي سابق الأشياء بالقدس والأنس ، فعاين الحق قبل الخلق ، فدخل صورته كمصباح في جوهر زجاجة صافية يضيء ، ولو لم تمسسه نار تضيء صورته بضياء الفعل ، ويتنور روحه بنور الصفة ، ثم صار صورته وروحه قنديل أنوار ذات الحق يتجلى منه للعالمين ، فمن خصه اللّه بالأهلية منه فيراه بنور الحق ، ويرى الحق منه ؛ فلا يقع نظره إلا على قدس وطهارة . قال جعفر : عيروا الرسول بالتواضع والانبساط ، ولم يعلموا أن ذلك أتم لهيبتهم ، وأشد في باب الاحترام لهم ، وذلك أنهم لم يشاهدوا منه خصائص الاختصاص ألهاهم ذلك عن قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ . . . الآية . ثم بيّن سبحانه أن الأكل والشرب والمشي والسعي في الحوائج لا ينافي النبوة والولاية والاصطفائية الأزلية ، وأن جمهور الأنبياء ما خلوا من صفة البشرية إذ البشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب ، والقلب مركب العقل ، والعقل مركب الروح ، والروح مركب المعرفة ، والمعرفة قوة القدوسية صدرت من كشف عين الحق ، وقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ هذا سنة اللّه في الخلق والأنبياء والأولياء شاركوهم في البشرية ، وفارقوهم في المعرفة والمحبة . قال جعفر : ذلك أن اللّه لم يبعث رسولا إلا أباح ظاهره للخلق بالكون معهم على شرط البشرية ، ومنع سره عن ملاحظتهم والاشتغال بهم ؛ لأن أسرار الأنبياء في القبضة لا تفارق المشاهدة بحال . ثم بيّن سبحانه أن العارف الصادق فتنة للجاهل الغبي ، والمحب القريب فتنة للمنكر البغيض بقوله : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً الأغنياء فتنة الفقراء فالكل ممتحنون بنكاية قهره ومكره . ثم استفهم منهم بقوله : أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) أي : أتصبرون يا أهل الحقائق في بلائي وامتحاني وأنتم بمرأى مني أجازيكم بمشاهدتي وكشف جمالي ؟