روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

269

عرائس البيان في حقائق القرآن

معناه ينزل غيث رحمته على قلوب أوليائه ، فينبت فيها التوبة والإنابة والمراقبة والرعاية . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 31 ) قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ : إن اللّه سبحانه قدّر المقادير في الأزل ، ومن مقاديره المقدرة كسب العباد ، كما قال تعالى : خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ، وجزاء اكتسابهم من الثواب والعقاب منها صدر ، فإذا كسب العبد شيئا من الجرائم فهي من أسباب القهر ، ويكون محجوبا به ، فإذا كان أهلا للّه تعالى يعاقبه اللّه في الدنيا ببعض المصائب ، ويخرجه به من ذلك الحجاب ، وإن لم يكن من أهل الحق فمصائبه إمهاله له في ضلالته ، وإن ترك العبد الصالح بما بدا منه المعصية يكون محجوبا بها ، ولكن يداويه ببعض الامتحان حتى يكون صافيا عن كدر الخليقة ، ولكن بكرمه وفضله لا يؤاخذه إلا بقليل من عمله ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) ، وبعفوه ورحمته يخرجهم من ظلماتها ، ولم يأخذهم بالقليل سخطه ، لكن أراد أن يعرف العبد بالمصيبة عيوب نفسه ومواقع خطره . قال ابن عطاء : من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، وإنما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه ؛ لأن اللّه يقول : وَما أَصابَكُمْ ، ومن لم يشهد ذنبه وجنايته ويندم عليه لا ترجى له النجاة من المصائب والفتن . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 33 إلى 35 ] إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 ) قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ : في هذه الآية إشارة إلى أن سفن قلوب العارفين في بحار أنوار ذاته وصفاته ، تجري على اضطراب من غلبات صدمة عواصف سطوات أحديته وأزليته وأبديته ، من حيث إنها محدثة عاجزة خائفة من قهر وعظمة والفناء في معارف قاموس كبريائه ، فيتلطف الحق بإمساك قهر عظمته عنها ، فيمسكها بنور جماله ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ : سواكن في جريانها بشمال جماله ، ولولا فضله ورحمته لتفتتت في كشوف العظمة وبروز الكبرياء ، وهذه الأحوال السنية لا تكون إلا لصبّار بالحق في الحق ، شكور برؤية فنائه في بقائه ووجوده ، قائم بجوده ، قال اللّه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) .