روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

268

عرائس البيان في حقائق القرآن

وعملوا في بذل وجودهم لحب وجهي الكريم ، واقتحموا في بلياتي بصالح أعمالهم وحسنات نياتهم ، فيجازيهم بما هو أهله ، قال اللّه : وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً أي : علما ومعرفة بنا وبما لدينا وتوفيقا للزيادة والرغبة في طاعتنا ، ونزيده لطفا وكرما من عندنا ، ونلبسه نورا من نورنا ، ونجعله حسنا بحسننا . قال بعضهم : من تقرّب إلينا بطاعتنا أكرمناه بالتوفيق ، وزدناه من الإحسان إليه ، وهو أن نكرمه بالإقبال علينا والاحتراز عما سوانا . قال الأستاذ في قوله : وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي : الرؤية . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ( 29 ) قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا : أراد بالرزق في الحقيقة والبسط كشف مشاهدته على السرمدية في هذا العالم للعارفين ، يشكرون ، ويشطحون ، ويعربدون ، ويخرجون من سكرهم وغلبتهم عن الحدود والأحكام ، ويدعون بالدعاوي العظام ، ويفسد بهم عقائد العباد ، ولكن يكشف لهم على ما وافق قوة أسرارهم وثبوت أرواحهم حتى لا يفنوا في سبحات جلاله ، وأنهم يعطشون إلى بحار جمال مشاهدته ؛ لأنه خبير عالم بضعفهم عن تحمل أثقال الربوبية ، بصير بنياتهم وشكوتهم في خلواتهم ؛ حيث يسألون أن يفنوا في وجوده ، وذلك حين أبطأ هجوم الواردات عليهم ، وهم وقعوا في بحر اليأس بقوله : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا أي : يكشف لهم أنوار جماله بعد أن آيسوا من وجدانها في مقام القبض ، وينشر عليهم لطائف بسط القرب ؛ لأنه وليهم وحبيبهم ، محمود بلسان افتقارهم ومعاينة اللقاء لهم . قال ابن عطاء : إن اللّه تعالى يربي عباده بين طمع ويأس ، وإذا طمعوا فيه آيسهم بصفاتهم ، وإذا آيسوا أطمعهم بصفاته ، وإذا غلب على العبد القنوط وعلم العبد ذلك وأشفق منه أتاه من اللّه الفرح ، ألا تراه يقول تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا « 1 » :

--> ( 1 ) أي : يئسوا منه وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضا لتذكير كمال النعمة ، فإن حصول النعمة بعد اليأس والبلية أوجب لكمال الفرح فيكون أدعى إلى الشكر .