روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
265
عرائس البيان في حقائق القرآن
أكون طيرا من ملك البلابل ، أصفّر بصفير الصفات ، وأترنم من بطنان غيب الذات ، سكران من رؤية الذات ، والها بالصفات ، ووالها من شراب الصفات ، مشغوفا بسنا الذات ، ثم أفنى في الذات ، وأبقى في الصفات ، ولا يجري عليّ بعد ذلك طوارق الفناء ؛ فأبقى بقاء الأبدي ، وأتدارك ما فات مني من المعية القدمية مع القدم ؛ فإن الآخر بالحقيقة أول ، والأول آخر ، والظاهر باطن ، والباطن ظاهر ، فنحن الأولون حيث قام الحق بأوليته مقام أوليتنا وإن كنا معدومين ، ونحن الآخرون من حيث ألبسنا الحق وصف بقائه ، ونحن الظاهرون بظهوره علينا ، ونحن أهل الباطن والغيب ؛ إذ لا غيب في الكشف ، ولا باطن في الظهور ، تعالى اللّه من أن يدركه بوصفه غيره ، رزق اللّه هذه المراتب العلية والمواهب السنية من آمن بنا ، وبكل وليّ صدر من بساتين الغيب ، ومشارب القرب الذي يتكلمون بمثل هذه الكلمات البديهية الإلهية الربانية ، كما قال سبحانه : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ : قويّ باصطفائيتهم مما اختار لهم في أزله إلى أبده . قال ابن عطاء في قوله : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ : يعلم من أنفسهم ما لا يعلمونه من نفوسهم ، فربط كلا بحده ، فمن بقي مع حده حجب ، ومن تجاوز حده هلك . قال أبو سليمان الداراني : من لطف اللّه بعبده أن قصر له كنه معرفته حتى لا تتكدر عليه نعماؤه . وقال الجنيد : اللطيف الذي لطف بأوليائه حتى عرفوه . وقال ابن عطاء : اللطيف الذي يعرف الغيوب بلا دليل . قال بعضهم : اللطيف الذي ينسى العباد في الآخرة ذنوبهم لئلا يتشردوا . وقال بعضهم : الذي لم يدع أحدا يقف على مائة أسمائه فكيف الوقوف على مائة وصفه وذاته ؟ ! وقال أبو سعيد الخراز في قوله : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ : موجود في الظاهر والباطن ، والأشياء كلها موجودة به ، لكن يوجد ذكره في قلب العبد مرة ، ويفقده مرة ؛ ليجدد بذلك افتقاره إليه . وقال القاسم في قوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ : الفطنة والحكمة ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ : القوي يقوّي الفطن ، والعزيز عزّز عنايته ورعايته ، ولا يبذلها لكل أحد . قال الأستاذ : اللطيف هو العالم بدقائق الرموز وغوامضها . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 20 إلى 22 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 21 ) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 22 )