روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
260
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ : ينهانا اللّه سبحانه عن عظيم قدره وجلال عزه ، وبأنه سبحانه خلق قوما من الجهلة ، وأطلقهم في مهمة الضلالة حتى وقعوا في مقالة السوء ، ويقولون على اللّه ما لا يعلمون من أعظم افترائهم ، تكاد السماوات تنشق من فوقهن من الغضب عليهم ، وذلك بعد أن ألبسها اللّه إقرار قدرته ، وأدخلها روح فعله حتى عقلت عبودية صانعها ، وعرفت قدسه وطهارته عن قول الزائغين وإشارة الملحدين ، والملائكة يقدسون اللّه عما يقولون فيه من الزور والبهتان والدعاوى والباطلة ، ويستغفرون للمؤمنين الذين لم يبلغوا حقيقة عبوديته ، أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ : غفر ذنوب المقبلين ورحمهم بأن يرزقهم قربه ووصاله . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 9 إلى 12 ] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 ) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 10 ) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 12 ) قوله تعالى : أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى : وليّ كل وليّ ، في الأزل أجادهم بتجلي القدم من موت العدم ، تولى أسرارهم بنعت حفظها من قهره ، ويحيى بجماله قلوبهم عن موت الجهل به ، بعد أن عرّفهم نفسه ، وألبس أرواحهم أنوار حياته ، وفيه شكاية عن المشغولين بغيره ، الباقين في حجاب الوسائط ، يعرض نفسه بنعت الجلال والجمال على المقصرين ؛ ليجذب بحسنه وجماله قلوبهم إلى محبته وعشقه ، ويحييها بنور أنسه وسنا قدسه . قال ابن عطاء : الحق يتولى أولياءه في كل نفس برعايته وعناية طربه ، ومن كان الحق متوليا سعاياته وحركاته كان في أصون صون وأحرز حرز ، وهو الذي يحيى القلوب بمشاهدته وبالتجلي بعد الاستتار . وقال الواسطي : يحيى القلوب بالتجلي ، ويميت الأنفس بالاستتار . وقال سهل : لا يحيى النفوس حتى تموت . قال بعضهم : قلوب أهل الحق مصانة عن كل معنى ؛ لأنها موارد الحق ، ولما بيّن أن