روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

239

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي : لتسكنوا في حضوركم بما تجدون من روح الملكوت ، وتستنشقون نفحات الجبروت ، وفي النهار تشاهدون أنوار صفاتي في آياتي . قال بعضهم : لِتَسْكُنُوا فِيهِ * إلى روح المناجاة ، وَالنَّهارَ مُبْصِراً * لتبصروا فيه بوادي القدرة . اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي : قَراراً لمراقبتكم ، وطلب مشاهدتي وخدمتي ، وَالسَّماءَ لنظركم إلى ديوان ملكوتي ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالي وخلقي ، وإيجادكم بنفسي ، ونفخت من روحي فيكم الذي حسن الهياكل من حسن الهياكل من حسنه ، ومن عكس جماله ؛ فإنه مرآة نوري أتجلى منه للأشباح أرزاقه ذكره ، وصفاء كشوف أنواره للأرواح والعقول ، فقوت النفوس من أفعاله ، وقوت القلوب من صفاته ، وقوت الأرواح من ذاته ، وهو أحسن الأرزاق ، إذ قامت به حقائق المحبة ولطائف المعرفة ، ودقائق التوحيد . ألا ترى إلى رمز الحق فيه بقوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ * ثم نزّه نفسه عن الأشكال والأبعاض والحلول في الأماكن بقوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ من بركته وجود العالمين ، ومن تربيته تكونت الخلائق أجمعون . قال أبو سليمان : القرار لمن استقر على طلب الموافقة ، واجتنب التخطي إلى المخالفة . قال بعضهم : جعل الأرض قرارا لأوليائه ، والسماء بناء لملائكته . ثم زاد في وصف عزته وجلاله ، وحياته الأزلية ، وبقائه الأبدي بقوله : هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بيّن أن الحياة الحقيقية القدمية له لا لغيره ؛ إذ حييت بحياته الأرواح والأشباح ، وبه قامت الكائنات والحوادثات ، لا بذواتها تجلى من حياته للعدم ، فأوجد الكل حيّا بحياته . ثم نفى عن الكل الألوهية ، ونفى الحياة الأزلية عن الكل في إفراد قدمه عن الكون بقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . ثم أمر العباد بالعبودية الخالصة له ، والتضرع إليه بقوله : فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي : مخلصين عن النظر إلى الأكوان في مشاهدة الرحمن . ثم حمد نفسه ألا يعرفه أحد سواه بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 65 ) بألا