روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

237

عرائس البيان في حقائق القرآن

فقد حكي من بعض السلف أنه قال : الكريم إذا قدر عفا ، وإنما يكون مرد العبد إلى ربه إذا أتاه على حد الإفلاس والفقر ، لا أن يرى لنفسه مقاما في إحدى الدارين ، وهو أن يكون في الدنيا خاشعا لمن يذله ، ولا يلتفت إليه هاربا ممن يكرمه ويبره ، ويكون في الآخرة طالبا للفضل ، مشفقا من حسناته أكثر من إشفاق الكفار من كفرهم . قوله تعالى : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ أي : أفوض أمري في الدنيا والآخرة إلى اللّه فهو بصير بعجزي وضعفي عن رد القضاء والقدر ، وكمال التفويض ألا يرى لنفسه ، ولا للخلق جميعا قدرة على النفع والضر ، ويرى اللّه إيجاد الوجود في جميع الأنفاس بنعت المشاهدة والحال لا بنعت العلم والعقل . وقال بعضهم : التفويض قبل نزول القضاء ، والتسليم بعد نزول القضاء . وقال ذو النون حين سئل عنه : متى يكون العبد مفوضا ؟ قال : إذا آيس من فعله ونفسه ، والتجأ إلى اللّه في جميع أحواله ، ولم يكن له علاقة سوى ربه . قوله تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ نصرة الرسل بالعرفان ، ونصرة المؤمنين بالإيقان ، وأيضا نصرة الرسل بالوحي ، ونصرة المؤمنين بالإلهام ، وأيضا نصرة الرسل برؤية الصفات ، ونصرة المؤمنين برؤية الآيات ، نصرتهم يوم الإشهاد على وفق سرهم في المعرفة ؛ فنصرة الرسل الوصلة ، ونصرة المؤمنين المشاهدة ، نصرهم على كل شيء يكاد يحجبهم عن المشاهدة في الدنيا والآخرة . وقال جعفر : ينصر رسلنا بالمؤمنين ظاهرا ، وينصر المؤمنين بالرسل باطنا . وقال سهل : أكرمهم بالمعرفة والعلم ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ بالرضا والرؤية . وقال يحيى بن معاذ : لم يرض بما ضمن لهم من النصرة في الدنيا حتى ضمن لهم النصرة في القيامة ، ومن كان اللّه ناصره في الدنيا والآخرة ؛ فلا سوء عليه . قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ظلمهم وضع المعذرة في غير موضعها ؛ فإن معذرتهم أن يكون في الدنيا لا في الآخرة ، وظلمهم أيضا عدو لهم عن الحق إلى الحق ، يا ليت لو كان لهم عناية الأزلية التي تؤثر في الإحسان جميعا ، ومن لم يكن له سوابق القدم بنعت العناية لم يؤثر فيه الأعمال والأوقات . قال بعضهم : يؤثر في العباد السوابق على الأوقات ، ولو كان للوقت أثر لنفع الظالمين معذرتهم ، فلما أخبر اللّه عنهم بقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ علمت أن السوابق هي المؤثرة لا الأوقات .