روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

228

عرائس البيان في حقائق القرآن

الغيوب ومضمرات القلوب وحركات الأرواح وعلل الأشباح ، يعز العارفين بعزته ، ويشوق المحبين إلى جمال مشاهدته بمحبته الأزلية التي سبقت في الأزل لأهل خالصته ، أنزل هذا التنزيل إلى سيد المرسلين ، وإمام العالمين ليبشر بنزوله أهل نزل مواهبه السنية ، ومعارفه المقدسة ، وليفرح فؤاد المهتمين على ما جرى عليهم خطرات الامتحان ، وهواجس النفس ، والشيطان بقوله : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ يستر ذنوب المذنبين بحيث يرفع عن أبصارهم حتى ينسوها ويقبل عذرهم حين افتقروا إليه بنعت الاعتذار بين يدي ربه . شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لا يرجع إلى المآب بأن عذبه بذل الحجاب . ذِي الطَّوْلِ لمن أفنى نفسه لنفسه ، وطوله طول كشف جماله في أوقات الواردات والمواجيد ، من خصه بالقرب والجمال ، ثم وصف نفسه بالتنزيه والتقديس ، ونفى الأنداد والأضداد في ربوبيته وغفران عباده ، وتعذيب عصاته بقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) إليه يرجع كل مشتاق ، وكل عارف محب عاشق ، يقبل منهم عذرهم في تقصيرهم في العبودية ، وقلة عرفانهم حقوق الربوبية ، هو مصدر الكل ، ومصير الكل مصادر القدم ومعادنهم ، لا العدم ، فإن العدم لا شيء في شيء ، وهو موجد الأشياء بلا علل ولا حيل ، ثم من غيرته يعدم الكل حتى لا يبقى في ساحة الكبرياء أهل الفناء ، قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . قال سهل في قوله : حم : الحي الملك ، وفي قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ : هو الذي أنزل عليك الكتاب ، وهو اللّه الذي ولهت به قلوب العارفين ، والعزيز من درك الخلق العليم بما أنشأ وقدر ، غافِرِ الذَّنْبِ : أي : ساتره على من يشاء ، وَقابِلِ التَّوْبِ : أي : ممن تاب إليه ، وأخلص العمل بالعلم له ، ذِي الطَّوْلِ : ذي الغنى من الكل . قال بعضهم : غافِرِ الذَّنْبِ : كرما ، وَقابِلِ التَّوْبِ : فضلا ، شَدِيدِ الْعِقابِ : عدلا ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : فردا ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ : تصديقا للوعد . قال بعضهم : غافرا لذنب المذنبين ، وقابلا توبة الراجعين ، شديد العقاب على المخالفين ، ذي الطول على العارفين . قال الأستاذ : غافر الذنب لمن أصر وأجرم ، وقابل التوب لمن أقر وندم ، وشديد العقاب لمن جحد وعند ، وذي الطول لمن عرف ووحد . قوله تعالى : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ما يخاصم في هذه الإشارات التي رمز الحق فيها من غوامض علومه الإلهية إلا أهل التقليد من المنكرين .