روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
220
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال الجنيد في قوله : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ : انقطعوا عن الكل بالكلية ، فما يرجع إلينا بالحقيقة أحد ، وللغير إليه أثر ، وللأكوان على سرّه خطر ، ومن كان لنا كان حرّا مما سوانا . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 61 ] وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي : ينجّي اللّه الذين تقدس أسرارهم من الالتفات إلى الحدثان في محبة الرحمن عن الحجاب والحرمان يوم الكشف والعيان ، بِمَفازَتِهِمْ « 1 » : بما كان لهم في اللّه في أزل أزله من محبتهم وقبولهم بمعرفته وحسن وصاله ودوام شهود جماله ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي : لا يلحق بهم في منازل الامتحان تفرقة عن مقام الوصلة وحجابا عن جمال المشاهدة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوت المراد في المعاد . قال الواسطي : ينجيهم بما سبق لهم من الفوز ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ : زوال النعمة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على الفوات . وقال القاسم : بسعادتهم السابقة وقضيته فيهم الماضية لهم وعليهم ، لا بنفوسهم المتعبة في العبادات . وعن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد قال : بسعادتهم القديمة صدق أكابر القوم في هذه الآية بأن نجاة الصديقين بالسعادة الكبرى مما يحل يوم القيامة على أهل الدعوى الذين ما شموا رائحة المقامات ، وما سلكوا مسالك المجاهدات ، وما أدركوا من لوائح أنوار المشاهدات ذرة ، فيفتضحون يوم القيامة عند وجوه الصادقين ، بقوله سبحانه : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ، بل هم يفتضحون في الدنيا عند أهل معرفة اللّه . قال يوسف بن الحسين : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من ادّعى في اللّه ما لم يكن له بذلك ، وأظهر من أحواله ما هو خال عنها ، قال اللّه : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ .
--> ( 1 ) بفوزهم ، مصدر ميمي ، يقال : فاز بالمطلوب : ظفر به ، والباء متعلقة بمحذوف ، حال من الموصول ، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب ، أي : ينجيهم اللّه من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو : بسبب فوزهم بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا ، ولذا قرأ ابن عباس : ( بمفازتهم بالأعمال الحسنة ) البحر المديد ( 5 / 337 ) .